فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه (المعهد الدولي الجمهوري) ، أن 38.4 في المائة من الكينيين الذين جرى استجوابهم، يعتبرون الانتماء القبلي للمرشّح، العامل الحاسم في اختيارهم، قبل شخصية المرشّح وبرنامجه.
فقد ساهم التنافس القبلي التقليدي بين قبيلتي (كيكويو) و (لوو) في تغذية الصراع السياسي، وحولاه إلى صراع عرقي اجتماعي بين أبناء الوطن الواحد، لم يقف عند حدود اللجان وصناديق الاقتراع حتى انتقل إلى ساحات المدن والميادين والمزارع، وكانت من وسائله الفؤوس والسنج والعصي.
وبينما ينتمي الرئيس كيباكي إلى قبيلة (كيكويو) الأكثر عددًا التي تمثل (32%) من السكان، ينتمي خصمه رايلا أودينجا إلى قبيلة (لوو) المتعلمة ثاني أكبر قبيلة في البلاد، والتي تتمركز على ضفاف بحيرة فكتوريا. ويعد الصراع بين قبيلتي لوو وكيكويو ضارب في القدم، منذ استقلال البلاد عام ، وفي سياق هذا النزاع القديم، طفت على السطح منازعات وإحن قديمة وراكدة، برزت مع الانتخابات الرئاسية الأخيرة، حيث رفضت (لوو) نتائج هذه الانتخابات، وشككت في فوز كيباكي المنحدر من غريمتها (كيكويو) .
ومنذ الإعلان عن نتائج الانتخابات تعرضت (كيكويو) لهجوم على أيدي العناصر الغاضبة من (لوو) ، فيما تعرض أبناء قبيلة (لوو) إلى موجة من القمع من قبل رجال الشرطة والسلطات الأمنية. وقد حمل قوم اللوو نتائج الانتخابات على الرغبة في حرمانهم فرصتهم الأولى بلوغ الحكم منذ الاستقلال عام 1963م.
وأعمال الانتقام والثأر التي وقعت، إنما صدرت عن قوم يرون في أودينجا فرصة تعوضهم ما يرونه ظلمًا لحق بهم، حتى جهر بعضهم بعزمه على الموت في سبيل رايلا أودينجا وما يرمز إليه.
ويفسر الخبراء هذه الأوضاع الهشة في ظل القبلية، بالقول: إن الانقسامات الإثنية والعرقية تقود في أغلب الحالات إلى اندلاع الحرب الأهلية، وتصدع السلم الاجتماعي. وحسب هذا المنطق، يظل التنافس بين المجموعات الإثنية المختلفة كامنًا تحت السطح ينتظر اللحظة المناسبة للبروز والانفجار، بحيث تكفي حادثة بسيطة، مثل الانتخابات لقدح شرارة العنف وإشعال فتيل الفتنة بين أبناء الوطن.
إلا أن العامل القبلي لم يكن العامل الوحيد المحرك لكل هذه الصدامات العنيفة التي جرت، إذ إن حالة البؤس الفائق التي تسود المدن الفقيرة (مدن الصفيح) في العاصمة نيروبي، تجعل منها مواقع قابلة للاشتعال في أي لحظة. ويتحدث المتابعون كثيرًا عن الفوارق الطبقية والاقتصادية الكبيرة بين الأغنياء والفقراء في كينيا، واحتكار الأغنياء للثروة، إلى جانب الفساد المستشري على جميع المستويات في البلاد.
فالتطور الأبرز فيما تشهده كينيا من اقتتال، هو استهداف ممتلكات (الكيكويو) ، حيث نهبت متاجرهم ومنشآتهم الاقتصادية في ضواحي نيروبي ومومباسا .. وقد أتاحت لها الفترة التي هيمنت فيها (الكيكويو) على السلطة، التحكم في مفاصل الدولة، والسيطرة على الاقتصاد الكيني. وقد جلب نفوذ الكيكويو المتنامي عليها، عبر الحقب السياسية، النقمة والسخط في أوساط القبائل الأخرى والرأي العام في كينيا، التي ترتفع فيها يومًا بعد آخر معدلات الفقر والبطالة، وتنخر الرشوة والفساد إدارتها العمومية، كما تحتل كينيا في الغالب صدارة القائمة السوداء لمنظمة الشفافية الدولية.
وهو ما يفتح المجال للحديث عن مؤسسات الدولة وضعفها، والاختلالات التي ينطوي عليها نظام الحكم في كينيا، كأحد الأسباب التي تفتح المجال للصراع والفوضى.
والواقع أن هذه الفرضية التي تربط بين ضعف مؤسسات الدولة واندلاع العنف في المجتمعات المتعددة إثنيًا، تستند إلى إحصائيات ودراسات عديدة جرت حول هذا الشأن. فليس من الصعب إدراك علة هذا الارتباط بالنظر إلى الدور الحيوي الذي يضطلع به البرلمان على سبيل المثال، بحيث توفر المؤسسة النيابية الفرصة للمعارضة ـ التي لم تستطع تولي السلطة التنفيذية ـ كي تجهر بصوتها، وتوقف التشريعات التي لا تراها صائبة.
وفي حالات أخرى، يضمن البرلمان سحب الثقة من الحكومة، وعقد انتخابات مبكرة دونما الحاجة إلى أي شكل من أشكال العنف، أو النزول إلى الشارع. وبالنظر إلى كينيا، فإن هذه الضمانات غير متوفرة تمامًا، خاصة وأن برلمانها يعاني من هزال شديد.
(يُتْبَعُ)