فهرس الكتاب

الصفحة 5183 من 28557

أما إذا كان موجب الخضوع والذل للكفرة هو ما فُتح عليهم - ابتلاءً - من أمور الدنيا وكثرة العساكر وقوة السلاح فهذا لا يُخيف المؤمن أبدًا لأنه مع ربه القوي العزيز الذي يحركهم ويُسكنهم ويكف أيديهم وسلاحهم عن المؤمنين ويردّ بأسهم وكيْدهم ويجعل كلمتهم هي السفلى وكلمته هي العليا، وما غَلَبَ أهلُ الإسلام أعداءهم من كثرة وقوة وإنما غلبوهم بالإيمان الموجب لمعية الرحمن، وإذا كان الله معك فمَنْ تخاف!، إن معك القوة التي لا تُغْلب: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (آل عمران:160) ، وهذا عام مطلق (ولو اجتمع عليهم من بأقطارها) لكن هذا له شرط وهو {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} (محمد: من الآية 7) ، فمن أتى بهذا الشرط ضُمن له النصر والعز والعلو بالحق والتمكين في الأرض.

إن من يرى ما عليه دول العرب كلها اليوم من تحكيم الطاغوت الدولي العام (هيئة الأمم وفروعها) ولجوئهم إلى هذا الطاغوت فيما ينوبهم في الرخاء والشدة وما غشى بلادهم من تحكيم القوانين واستبدالهم ذلك بشرع مالك الملك سبحانه إنما هو افتراءٌ عليه وانتهاكٌ لحرماته واستخفافٌ بأمره وأمانٌ من مكرِهِ وحلول عقوبته، وهذا كفر مخرج عن الملّة، وكذلك شرك القبور والأضرحة التي لاتحصى في بلاد العرب، وهي أشد فتنة من الأصنام.

وإن من يرى الكبائر والعظائم يُجاهَر بها ولها الحماية والعناية والرعاية من حكام العرب وجيوشهم ولا يزداد الأمر إلا شدة فإنه يخاف ويخاف لأن سنن الله لا تتبدّل ولا تتغير فإما تسليط الأعداء وهاهي نُذُرُه أسمعت الأصم أو غير ذلك من فتن وآيات سماوية أو أرضية، والعِبَر قد تقدمت، والنذر قد بلّغت، وما عِلَّتُنا من ضعف السلاح الحسي وإنما من فساد السلاح المعنوي.

أيها الحكام ..

أفيقوا من سكرةِ دنيا غرّت أمثالكم من أسلافكم وما أغنتْ عنهم لما جاء أمر الله، إنكم عبيد لله كسائر العبيد إلا أن صلاحكم إن صلحتم وضلالكم إن ضللتم لا يشبه صلاحَ وضلالَ غيرِكم لما يترتب على ذلك من آثار ليست حاصلة من غيركم، قال أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه: (إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن) .

أيها الحكام ..

إنكم لا تستقلون بأوزاركم وحدها وإنما بأوزار كل من تسببتم بإضلاله، ولقد غرّكم وغشكم وفتنكم وجعلكم تستحسنون أفعالكم مَنْ مَدَحكم، ولا والله ما مدحكم وأثنى عليكم إلاَّ مَن شارككم في عزٍّ دنيوي زائلٍ عن قريب، ومَن شارك السلطانَ في عزِّ الدنيا شاركه في ذُلِّ الآخرة، والعجيب من أمركم تصاممكم عن سماع نصح الناصحين وفرحكم بمدح المادحين!.

أيها الحكام ..

إن مقامكم أخطر مقام .. إنكم تخلفون محمدًا صلى الله عليه وسلم في أمته وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث معقل بن يسار أنه صلى الله عليه وسلم قال: (مامن عبد يسترعيه الله رعيةً فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة) ، ومعلوم أن المراد هو إقامة الدين الذي يحصل بإقامته كلُّ خيرٍ ويندفع كلُّ شرٍّ لأن الدين النصيحة، ومن لم يُحِط الرعيةَ بنصحِهِ مِنَ الولاةِ فليتوقع هذا المصير، ومن دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم مَن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به) رواه مسلم من حديث عائشة - رضي الله عنها - والمراد بالرفق بالأمة هو إقامة الدين الذي بإقامته يحصل كلُّ خير ويندفع كلُّ شر، وإن أعظم المشقة على الأمة هو ضياع دينها كما هو حاصل!.

قال عمرو بن المهاجر: قال لي عمر بن عبد العزيز - رحمه الله: (إذا رأيتني قد مِلت عن الحق فضع يدك في تلبابي ثم قُلْ: يا عمر ما تصنع) !.

لقد كانت عاقبة خوف عُمر ونصحه لنفسه وللأمة أن يسمع قبل خروجه من الدنيا: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص:83) مع ميراث وافر من دعاء الخليل - عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} (الشعراء:84) ، وهو الثناء الحسن.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت