فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ويقول شيخ الإسلام أيضًا: (وما زال أئمتهم يخبرون بعدم الأدلة والهدي في طريقهم، كما ذكرناه عن أبي حامد وغيره، حتى قال أبو حامد الغزالي:"أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام". وهذا أبو عبد الله الرازي من أعظم الناس في هذا الباب -باب الحيرة والشك والاضطراب- لكنه مسرف في هذا الباب؛ بحيث له نهمة في التشكيك دون التحقيق بخلاف غيره.) ( [7] )
ويقارن بين حالهم ومآلهم وبين حال السلف وما هم عليه من الإيمان والطمأنينة فيقول: (وهذا حال أئمة المسلمين وسلف الأمة وحملة الحجة؛ فإنهم يخبرون بما عندهم من اليقين والطمأنينة والعلم الضروري؛ كما في الحكاية المحفوظة عن"نجم الدين الكبرى"لما دخل عليه متكلمان أحدهما: أبو عبد الله الرازي، والآخر: من متكلمي المعتزلة، وقالا: يا شيخ، بلغنا أنك تعلم علم اليقين. فقال: نعم أنا أعلم علم اليقين. فقالا: كيف يمكن ذلك، ونحن من أول النهار إلى الساعة نتناظر فلم يقدر أحدنا أن يقيم على الآخر دليلا؟! -وأظن الحكاية في تثبيت الإسلام- فقال: ما أدري ما تقولان. ولكن أنا أعلم علم اليقين فقالا: صف لنا علم اليقين، فقال: علم اليقين -عندنا- واردات ترد على النفوس، تعجز النفوس عن ردها، فجعلا يقولان: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها، ويستحسنان هذا الجواب.) ( [8] )
ولقد كان لشيخ الإسلام -رحمه الله- عناية خاصة بمؤلفات الفخر الرازي؛ فقد قام بشرح كتاب المحصول في أصول الفقه لتلامذته وملازميه مرات ومرات، بل إنّ كتاب «الأربعين في أصول الدين» موضوع بحثنا كان من جملة ما قرئ عليه وشرحه وعّلق عليه.
جاء في ذيل طبقات الحنابلة في ترجمة الإمام ابن عبد الهادي: (ولازم الشيخ تقي الدين ابن تيمية مدة. وقرأ عليه قطعة من الأربعين في أصول الدين للرازي.) ( [9] )
وذكره ابن عبدالهادي رحمه الله تعالى في"العقود الدرية"وهو يتحدث عن شيخ الإسلام رحمه الله فقال: « ... فأخرج منها - أي القلعة - يوم الاثنين يوم عاشوراء من سنة إحدى وعشرين وستمائة وتوجّه إلى داره، ثم لم يزل بعد ذلك يعلم الناس ويلقى الدرس بالحنبلية أحيانا ويقرأ عليه في مدرسته بالقصاصين في أنواع من العلوم، وكنت أتردد إليه في هذه المدة أحيانا، وقرأت عليه قطعة من الاربعين للرازي، وشرحها لي، وكتب لي على بعضها شيئا ... ) ( [10] )
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرًا ما ينتقد مصنفات الرازي انتقادًا لاذعًا، قال الإمام الصَّفَدِي في كتابه الوافي بالوفيات: (قلت يومًا للشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة أبي الحسن علي السُّبْكِي: قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية وقد ذكر تفسير الإمام الرازي: فيه كل شيء إلا التفسير، فقال قاضي القضاة: ما الأمر كذا؛ إنما فيه مع التفسير كل شيء.) ( [11] )
ولقد تتبع مصنفه الحافل المسمى «أساس التقديس» تتبعه فقرة فقرة، وعلّق عليه تعليقات نفيسة في كتابه معدوم النظير: «بيان تلبيس الجهميةفي تأسيس بدعهم الكلامية» ويسمى أيضا «نقض تأسيس الجهمية» ويقال له: «تخليص التلبيس من كتاب التأسيس» وهو من أهم مؤلفات شيخ الإسلام في أصول الدين، قال عنه ابن عبد الهادي في العقود الدرية: (وهو كتاب جليل المقدار، معدود النظير، كشف الشيخ فيه أسرار الْجَهْمِيّة( [12] ) ، وهتك أسرارهم، ولو رحل طالب العلم لأجل تحصيله إلى الصين لما ضاعت رحلته) ا. هـ.
ووصفه الحافظ ابن القيم في نونيته «الكافية الشافية» بالأعجوبة، فقال:
وكذلك التأسيس أصبح نقضه ... أعجوبة للعالم الرباني
بل إن شيخ الإسلام نفسه بين أنه تتبع كتب الرازي في أصول الدين جميعا، فرأى أن صاحبها ينصر مذهب الفلاسفة؛ أصحاب أرسطو وغيرهم، وهذا يفهم من قوله رحمه الله: (وقد كتبت في هذا ما يجيء عدة مجلدات، وذكرت فيها مقالات الطوائف جميعها، وحججها الشرعية والعقلية، واستوعبت ما ذكره الرازي في كتاب «تأسيس التقديس» «ونهاية العقول» وغير ذلك، حتى أتيت على مذاهب الفلاسفة المشائين أصحاب أرسطو، وغير المشائين، متقدميهم ومتأخريهم) ( [13] ) .
(يُتْبَعُ)