فهرس الكتاب

الصفحة 5399 من 28557

السلفية في كافة الاتجاهات، واضطربت الجماهير بسبب اضطراب وتباين مواقف الرموز، بل وتصادمها أحيانًا.

وقد جاء هذا التباين والتصادم، كنتيجة طبعية للأساليب الارتجالية التي دأب السلفيون على انتهاجها عند أية نازلة تعصف بهم، بالإضافة إلى لخلط المعهود بين"الثوابت"و"المتغيرات"، فبدأ التيار السلفي يفقد بعض مقاعده ومربعاته في المجتمع.

وتجلت مظاهر هذا التراجع عبر نزيف بشري بين صفوفه، ففئة اختارت منحى حادًا في التراجع، كتلك الفئة التي تنكبت الطريق ولحقت بقافلة العلمانيين واللبراليين، وفئات أكبر، تحولت لهمومها المعيشية والدنيوية، مكتفية ببعض مظاهر التدين في اللباس، وفئة وجدت من الصعوبة الجمع بين العمل الدعوي وفق رؤيتها والواقع بتعقيداته، فاكتفت ببيانات أو مشاركات حولية أو نصف حولية، وعلى الصعيد الشعبي، تراجعت وسائل الدعوة المألوفة، كالشريط والمطويات، بعد أن أخذت الفضائيات والشبكة العالمية مكان الصدارة في التأثير، وأحسب أن سبب تراجع الإقبال على الشريط عائد لطبيعة الخطاب الدعوي، الذي لم يواكب الحراك الاجتماعي والثقافي المتسارع للمجتمع السعودي خلال العقد الأخير.

لقد شعر أنصار التيار السلفي بالخطر الذي يتهدد الدعوة، واختلفت طرائقهم في معالجة المعضلة، فشرع بعضهم في إقامة محاضرات وكتابة مقالات عن أهمية الثبات والبعد عن أسباب الانتكاس، وهذه الدعوة صحيحة ولاشك، ولكن الخلل عندما يتم توظيف الدعوة للثبات، للتأكيد على مواقف لا تعبر عن ثوابت شرعية، بقدر ما تعبر عن مواقف سلفية معاصرة اجتهادية، فعلى سبيل المثال، سمعت أحد الدعاة الفضلاء يتحدث عن أسباب الثبات وخطورة الانتكاس، وكان من ضمن كلامه، أنه يعتب ويؤنب من أصبح لا يأخذ بقول الشيخ الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله، فكأن تحول الشباب عن بعض الفتاوى السائدة، يعد علامة على الانحراف والانتكاس، وهذا الخطاب يضر الدعوة السلفية ولا ينفعها، فأقل طالب علم"متجرد"بإمكانه أن ينظر في هذا القول الذي شنع عليه الشيخ، وربما وجده على مذهب جماهير السلف والخلف وعندها ستكون النتيجة معاكسة.

إن سعينا لتبرير أي إخفاق في الدعوة داخل المجتمع بآيات وأحاديث غربة الدين وقلة المتمسكين بالإسلام، يؤدي من حيث لا نشعر إلى إسباغ القداسة والعصمة على أنشطتنا ودعوتنا ومجمل خطابنا الدعوي، مما يشكل طبقة سميكة على أخطائنا تمنعنا من المراجعة والنقد الذاتي.

لقد ظهر لي أن لهذا التراجع أسبابا عديدة، سأكتفي بذكر سببين، لأن الإحاطة بالموضوع من كافة جوانبه، يحتاج لجهود جماعية، والمراد هنا التنبيه وممارسة نوع من المكاشفة الداخلية، بوصفي ابنًا لهذا التيار السلفي الأصيل، فأقول:

المحور الأول: الخطاب الدعوي التقليدي

إن الخطاب الوعظي الذي يُعلي من شأن العاطفة، ويضخم بعض المخالفات الشرعية، والتي ربما كانت صغائر أو مباحات عند بعض العلماء، وجعلها فيصلًا بين التدين والانحراف، لم يعد مقبولًا لدى الناس اليوم، وليس المقصود هنا عدم التحذير من المعاصي، بحجة أنها صغائر، بل المقصود إعطاء هذه المخالفات قدرها في الشرع، دون تهميش أو مبالغة، فلو تأملنا في نتاج الدعاة خلال العقدين الماضيين، لوجدنا مئات المحاضرات والمطويات التي تحدثت عن (الغناء، الإسبال، التصوير, اللحية، التلفاز) في مقابل محاضرات قليلة جدًا تحدثت عن (الصدق، الأمانة، أهمية التوحيد، الغيبة، فقه الوفاق، إتقان العمل) .

كما تميز هذا الخطاب بالإفراط في نقد المخالفين، دون تفريق بين خصوم الحل الإسلامي من علمانيين وأمثالهم وبين إسلاميين مخالفين للتوجه السلفي، والاعتماد على الأسلوب المباشر في توجيه الجماهير، بما يُشعر المتلقي بتهميش فكره وشخصيته، وهذا الأخير راجع لتصدر بعض الوعاظ غير المؤهلين علميًا وفكريًا.

إن هذا الخطاب الذي لقي رواجًا في التسعينيات، ويلقى اليوم رواجًا محدودًا لدى الطبقات الدنيا (اجتماعيًا وفكريًا) في المجتمع، لم يعد مناسبًا اليوم، وفي كل يوم يزداد عدد الناقدين له من قبل عامة الناس، وخصوصا فئة الشباب من الجنسين، بدءًا من طلاب المرحلة الجامعية فصاعدًا.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت