هذه الترجمة أراد بها المؤلف إثبات صفة الرحمة لله -عز وجل-، وأن الله -تعالى- متصف بالرحمة، كما يليق بجلاله وعظمته كسائر صفاته لا تكيف، فرحمة الله صفة من صفاته. وهي غير الرحمة المخلوقة، فإن الرحمة رحمتان:
1 -رحمة هي صفة من صفات الله قائمة بذاته تليق بجلاله وعظمته.
2 -رحمة مخلوقة كما سيأتي في الحديث أن - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله -تعالى- قال، عن الجنة: (( أنت رحمتي ) ) (1)
فهذه رحمة مخلوقة، وكما في الحديث الآخر: (( إن لله -تعالى- مائة رحمة، أنزل إلى الأرض رحمة واحدة فبها يتراحم الخلق، حتى إن الدابة لترفع حافرها، عن ولدها خشية أن تصيبه ) ) (2) وهذه الرحمة المخلوقة هي أثر من آثار رحمة الله -عز وجل- التي هي صفة من صفاته. ا. هـ
: الهوامش
(1) - [البخاري: تفسير القرآن (4850) ، ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2846،2847) .]
(2) - [البخاري: الأدب (6000) ، ومسلم: التوبة (2752) .]
*قال الحافظ الإمام ابن قيم الجوزية ـ رحمه الله تعالى ـ في"بدائع الفوائد" (2/ 408، 409) :
اعلم أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:
أحدهما: مضاف إليه إضافة مفعول إلى فاعله.
والثاني: مضاف إليه إضافة صفة إلى الموصوف بها.
فمن الأول: قوله في الحديث الصحيح (( احتجت الجنة والنار .. ) )- فذكر الحديث - وفيه: (( فقال للجنة:"إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء") ).
رواه مسلم وأحمد.
فهذه رحمة مخلوقة مضافة إليه إضافة المخلوق بالرحمة إلى الخالق تعالى وسماها رحمة لأنها خلقت بالرحمة وللرحمة، وخص بها أهل الرحمة، وإنما يدخلها الرحماء.
ومنه: قوله صلى الله عليه وسلم"خلق الله الرحمة يوم خلقها مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض".
رواه مسلم والحاكم وروى البخاري نحوه.
ومنه قوله تعالى (( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ) ) [هود: 9]
،ومنه تسميته تعالى للمطر رحمة بقوله (( وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ) ) [الأعراف:57]
وعلى هذا فلا يمتنع الدعاء المشهور بين الناس قديما وحديثا وهو قول الداعي"اللهم اجمعنا في مستقر رحمتك"، وذكره البخاري في كتاب الأدب المفرد له عن بعض السلف، وحكى فيه الكراهة، قال: إن مستقر رحمته ذاته!
وهذا بناء على أن الرحمة صفة وليس مراد الداعي ذلك بل مراده الرحمة المخلوقة التي هي الجنة.
ولكن الذين كرهوا ذلك لهم نظر دقيق جدًّا وهو أنه إذا كان المراد بالرحمة الجنة نفسها: لم يحسن إضافة المستقر إليها، ولهذا لا يحسن أن يقال اجمعنا في مستقر جنتك فإن الجنة نفسها هي دار القرار وهي المستقر نفسه كما قال {حسنت مستقرا ومقاما} ، فكيف يضاف المستقر إليها والمستقر هو المكان الذي يستقر فيه الشيء؟ ولا يصح أن يطلب الداعي الجمع في المكان الذي تستقر فيه الجنة فتأمله، ولهذا قال: مستقر رحمته ذاته.
والصواب: أن هذا لا يمتنع حتى ولو قال صريحا"اجمعنا في مستقر جنتك"لم يمتنع، وذلك أن المستقر أعم من أن يكون رحمة أو عذابا فإذا أضيف إلى أحد أنواعه أضيف إلى ما يبينه ويميزه من غيره كأنه قيل في المستقر الذي هو رحمتك لا في المستقر الآخر.
ونظير هذا أن يقال: اجلس في مستقر المسجد، أي المستقر الذي هو المسجد والإضافة في مثل ذلك غير ممتنعة ولا مستكرهة.
وأيضا: فإن الجنة وإن سميت رحمة لم يمتنع أن يسمى ما فيها من أنواع النعيم رحمة، ولا ريب أن مستقر ذلك النعيم هو الجنة فالداعي يطلب أن يجمعه الله ومن يحب في المكان الذي تستقر فيه تلك الرحمة المخلوقة في الجنة وهذا ظاهر جدا فلا يمتنع الدعاء بوجه والله أعلم. ا. هـ
*قال فضيلة الشيخ العلامة عبدالرحمن بن ناصر البراك ـ حفظه الله ـ في"تعليقاته على المخالفات العقدية في فتح الباري":
: دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن الرحمة المضافة إلى الله تعالى رحمتان:
1 -رحمة هي صفته؛ وصفاته غير مخلوقة، وإضافتها إلى الله هي من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ كما قال تعالى عن نبي الله سليمان عليه السلام:"وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين" [النمل19] ، وقال تعالى:"وربك الغفور ذو الرحمة" [الكهف58] ، وقال تعالى:"الرحمن الرحيم"؛ فهذان الاسمان متضمنان صفة الرحمة، فاسمه الرحمن يدل على الرحمة الذاتية التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، واسمه الرحيم يدل على الرحمة الفعلية التابعة لمشيئته سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى:"إن يشأ يرحمكم" [الإسراء54] ، وقال تعالى:"ويرحم من يشاء" [العنكبوت21] .
وأهل السنة والجماعة يثبتون الرحمة لله تعالى صفة قائمة به سبحانه، والمعطلة ومن تبعهم ينفون حقيقة الرحمة عن الله تعالى - ومنهم الأشاعرة - ويؤولونها بالإرادة أو النعمة.
2 -والرحمة الأخرى مما يضاف إليه تعالى: رحمة مخلوقة، وإضافتها إليه هي من إضافة المخلوق إلى خالقه، ومن شواهدها قوله تعالى:"فانظر إلى آثار رحمة الله" [الروم50] ، وقوله تعالى:"وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون" [آل عمران107] ، وقوله سبحانه للجنة كما في الحديث القدسي:"أنت رحمتي أرحم بك من أشاء".
والرحمة المذكورة في الحديث هي الرحمة المخلوقة، وهي التي جعلها الله عز وجل في مائة جزء. والرحمة
المخلوقة في الدنيا والآخرة هي أثر الرحمة التي هي صفته سبحانه وتعالى ومقتضاها.
أكتفي بهذه النقولات
وأسأل الله -جل وعلا- أن يبارك لي ولكم في العلم النافع والعمل الصالح.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،،
الإثنين 22 جمادى الأولى 1427 هـ
(يُتْبَعُ)