فهرس الكتاب

الصفحة 6598 من 28557

(فاعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها وفتنة أهلها عنها أشد من الاعتداء على الحياة ذاتها.

فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة وَفق هذا المبدأ العظيم.

وإذا كان المؤمن مأذونًا في القتال ليدفع عن حياته وعن ماله، فهو من باب أولى مأذون في القتال ليدفع عن عقيدته ودينه ..

وقد كان المسلمون يسامون الفتنة عن عقيدتهم ويؤذون، ولم يكن لهم بد أن يدفعوا هذه الفتنة عن أعز ما يملكون.

يسامون الفتنة عن عقيدتهم، ويُؤذَوْن فيها في مواطن من الأرض شتى، وقد شهدت الأندلس من بشاعة التعذيب الوحشي والتقتيل الجماعي ـ لفتنة المسلمين عن دينهم، وفتنة أصحاب المذاهب المسيحية [1] الأخرى ليرتدوا إلى الكاثوليكية ـ ما ترك أسبانيا اليوم ولا ظل فيها للإسلام! ولا للمذاهب المسيحية الأخرى ذاتها! كما شهد بيت المقدس وما حوله بشاعة الهجمات الصليبية التي لم تكن موجهة إلا للعقيدة والإجهاز عليها، والتي خاضها المسلمون في هذه المنطقة تحت لواء العقيدة وحدها فانتصروا فيها، وحموا هذه البقعة من مصير الأندلس الأليم .. وما يزال المسلمون يسامون الفتنة في أرجاء المناطق الشيوعية والوثنية والصهيونية والمسيحية في أنحاء من الأرض شتى).

فلابد أن تنطلق المواجهة الواقعية من التقييم السلفي لواقع الصراع بين الإسلام والنصرانية المحرفة، والمقصود بالتقييم السلفي هو تفسير هذا الواقع، وتحليل دوافعه، وتحديد اتجاهاته ومستقبله من خلال هذا التقييم.

تفسير الصراع

والتفسير العام لواقع الصراع أساسه تحديد الدور المركزي للأحبار والرهبان في واقع النصرانية بقوله ـ تعالى ـ: {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] ، وتفسير رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهذه العلاقة (بالتحليل والتحريم) يعطيها بعدها الواقعي تمامًا كقيادة تشريعية وتوجيهية للنصارى كافة، وبصورة مطلقة، وفي كل مجالات حياتهم العملية ..

حيث تبع هذه الآية قوله ـ تعالى ـ: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32] .

لذلك يجب تقييم أي حركة عدائية نصرانية ضد الإسلام من خلال معنى هذه الآية، كمحاولة لإطفاء (نور الله) بالأفواه .. !

ومع الدور المركزي للأحبار يكون شكل الصليب وهو العنصر الواضح في الحروب الصليبية التاريخية حتى بلغ درجة هيسترية، فيُرسم الصليب على أعلام الدول، ورايات الحرب وملابسها، وعلى الدروع والأسلحة .. ومثلما ستكون في الملحمة «فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ فَيَقُولُ: غَلَبَ الصَّلِيبُ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَدُقّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ» [2] ، ولعلنا نلاحظ عبارة: (غَلَبَ الصَّلِيبُ) لننتبه إلى مدى حمية النصارى للصليب، وهو الأمر الواضح جدًّا في كل الحروب الصليبية القديمة والحديثة.

أهداف الصراع

ومن المعروف أن هدف النصارى ليس نقل المسلمين إلى النصرانية، ولكن إخراج المسلمين من الإسلام ..

وهذه الحقيقة هي مضمون قول الله ـ عز وجل ـ: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109] ، وكلمة (وَدَّ) و (حَسَدًا) في الآيات تعبر عن الحالة النفسية التي يشعر بها النصارى تجاه المسلمين ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت