فهرس الكتاب

الصفحة 6651 من 28557

وهذه المحبة وإن كانت عملا قلبيا, إلا أن آثارها ودلائلها لابد أن تظهر على جوارح الإنسان , وفي سلوكه وأفعاله , فالمحبة لها مظاهر وشواهد تميز المحب الصادق من المدعي الكاذب , وتميز من سلك مسلكا صحيحا ممن سلك مسالك منحرفة في التعبير عن هذه المحبة.

وأول هذه الشواهد والدلائل طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه , وبدون هذه الموافقة يصير الحب دعوى كاذبة , قال تعالى: ? قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32?(آل عمران) , قال الحسن البصري رحمه الله:"زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية."

ومن دلائل محبته ? تعظيمه وتوقيره والأدب معه , بما يقتضيه مقام النبوة والرسالة من كمال الأدب وتمام التوقير, قال تعالى: ? إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) ? (الفتح) . فالتسبيح لله عز وجل , والتعزير والتوقير للنبي صلى الله عليه وسلم, وهو بمعنى التعظيم.

وإنه لجدير بهذه المحبة:

فقد حاز رسولنا صلى الله عليه وسلم من الصفات والأخلاق ما يجعله سيد هذا المقام المحمود، ألم يكف أن الله شهد له بعظيم الأخلاق فقال: ?وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ? [القلم:4] . ولو تأملنا سيرته صلى الله عليه وسلم لرأينا هذه العظمة متجلية في كل ما يصدر عنه.

فقبل الإسلام اختارته خديجة رضي الله عنها لأخلاقه ووهبته فتاها زيد بن حارثة.

ومن عظيم أخلاقه مارواه مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت:"مَا ضَرَبَ رسولُ الله ? شيئا قط بيده، ولا امرأة ولا خادما، إِلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نِيلَ منه شيء قطّ فينتقم من صاحبه، إِلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم".

، ما غدر رسول الله ? قط، ما كذب رسول الله ? قط، ما أخلف رسول الله ? وعدًا قط، ما انتقم رسول الله لنفسه قط، فهل هذه شخصية عنيفة مخيفة إرهابية كما يصورها الغرب.

كم كان عظيما ? في عفوه عن أعداءه .. يدخل الصحابة مكة فاتحين فيقول بعضهم:"اليوم يوم الملحمة، يوم يذل الله قريش". فيرفع النبي ? صوته ويقول:"اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز الله قريش"، ويقف أمام قريش ويقول لهم:"اذهبوا فأنتم الطلقاء".

وتختصر لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أخلاق رسول الله ? فتقول فيما صح عنها:"كان خلقه القرآن".

معاملة الأسرى:

صحيح البخاري - (ج 13 / ص 277)

عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ:عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ قَالَ مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ. فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ. فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ. فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ:أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ،

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت