فهرس الكتاب

الصفحة 6849 من 28557

وقال في كتاب الشهادات في تأويل فول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبدًا، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها.

قال أبو عمر: ليس في الإعتقد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله أو صح عن رسول الله أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله أو نحوه يسلم له ولا يناظر فيه، فتأمل كيف يحكي هذا الإمام ابن خويزمنداد المصري المالكي أن أهل الكلام أهلُ بدع، وأن الأشعرية منهم، وقد ساق ابن عبد البر هذا الكلام ولم يرده بشيء، ولو كان لا يرتضيه لرده وأبطله.

وقال ابن عبد البر في التمهيد (129/ 7) : وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سماوات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله عز وجل في كل مكان، وليس على العرش. والدليل على صحة ما قالوه أهل الحق في ذلك قول الله عز وجل: {الرحمن على العرش استوى} (طه:5) وقوله عز وجل: {ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} (السجدة:4) وقوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} (فصلت:11) ، وقوله: وذكر آيات كثيرة دالة على العلو.

إلى أن قال (131/ 7) : وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قولي المعتزلة، وأما ادعاؤهم المجاز في الإستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة. ومعنى الإستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل الى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنا يوجه كلام الله عز وجل إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ماثبت شيء من العبارات، وجل الله عز وجل عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. والإستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والإرتفاع على الشيء والإستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {استوى} قال: علا. قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت. وقال غيره: استوى أي: انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد.

قال أبو عمر: الإستواء الإستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله عز وجل وقال: {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة الله ربكم إذا استويتم عليه} (الزخرف:13) . وقال: {واستوت على الجودي} (هود:44) . وقال: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك} (المؤمنون:28) ... إلى آخر كلامه.

قلت: وهذا المذهب الذي أبطله ابن عبد البر أي: تأويل استوى باستولى، هو مذهب أكثر الأشعرية. وقد أكثر الأشعرية من الإحتجاج لهذا التأويل، والرد على من خالفه.

إلى أن قال: (134/ 7) : ومن الحجة أيضا في أنه عز وجل على العرش فوق السماوات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى. وهذا اشتهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اصطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم للأمة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة فاختبرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن قال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء. ثم قال لها: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة. فاكتفى رسول الله صلى الله وعليه وسلم منها برفعها رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه. انتهى.

فأثبت رحمه الله علو الله على خلقه، خلافا لأكثر الأشعرية، بل صرح بعضهم بأن من موجبات الكفر اعتقاد جهة العلو! كما ستقف على ذلك في رسالتي:"عقائد الأشاعرة". وهي على وشك التمام إن شاء الله.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت