فهرس الكتاب

الصفحة 705 من 28557

إرادة كونية، وإرادة شرعية؛ أما الإرادة الكونية، فهي بمعنى: المشيئة، ومن شواهدها قوله تعالى {فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} [ (16) سورة البروج] هذه إرادة كونية، كل ما شاء سبحانه أن يفعله فعله؛ لأنه لا معارض له، ولا يستعصي عليه شيء.

ومن شواهد الإرادة الكونية قوله تعالى {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ} [ (125) سورة الأنعام] يعني من يشأ الله أن يهديه بشرح صدره للإسلام يوسع صدره، ويقذف النور فيه، ويجعل فيه القبول للحق، فيقبل الحق بانشراح، وسرور، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ ـ نعوذ بالله ـ يجعل صدره ضيقًا حرجًا، ينفر من الحق ويشمئز منه، {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [ (45) سورة الزمر] والله تعالى يَمُنُّ على من يشاء يهدي من يشاء بفضله، ورحمته، ويضل من يشاء بحكمته وعدله، يعطي ويمنع، يهدي ويضل، ويعز ويذل.

{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [ (26) سورة آل عمران] .

وأما الإرادة الشرعية؛ فمتعلقة بما أمر الله به عبادة مما يحبه ويرضاه. ومن شواهدها: قوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [ (185) سورة البقرة] و {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [ (26) سورة النساء]

{إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [ (33) سورة الأحزاب]

فهاتان إرادتان، قال أهل العلم: إن الفرق بين الإرادتين من وجهين:

أما الإرادة الكونية؛ فإنها عامة لكل الموجودات، فهي شاملة لما يحب سبحانه، وما لا يحب، فكل ما في الوجود، فهو حاصل بإرادته الكونية سواء في ذلك ما يحبه الله، أو يبغضه، فكل ما في الوجود فهو حاصل بإرادته تعالى الكونية التي هي بمعنى المشيئة، فإنه لا يخرج عن مشيئته، أو إرادته الكونية شيء ألبتة.

أما الإرادة الشرعية فإنها تختص بما يحبه سبحانه، فالطاعات مرادة لله شرعا، أما المعاصي فليست مرادة شرعا، وما يقع من الطاعات، كالصلاة مثلا نقول: هذه الصلاة تتعلق بها الإرادتان: الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية.

وهكذا سائر الطاعات واقعة بالإرادة الكونية، ومتعلقة كذلك بالإرادة الشرعية، فهي مرادة لله كونا وشرعا.

أما ما يقع من المعاصي فهي مرادة لله كونا؛ لأنه لا يقع في الوجود شيء البتة إلا بإرادته، ومشيئته سبحانه.

لكن هل المعاصي محبوبة لله؟ لا بل هي مُبْغَضَة، وإن كانت واقعة بإرادته.

فالفرق بين الإرادتين من وجهين:

الأول: أن الإرادة الكونية عامة فكل ما في الوجود فهو مراد لله كونا.

أما الإرادة الشرعية فإنها إنما تتعلق بما يحب سبحانه وتعالى.

قال أهل العلم: فتجتمع الإرادتان في إيمان المؤمن، وطاعة المطيع.

و تنفرد الإرادة الشرعية في إيمان الكافر، فالكافر مطلوب منه الإيمان لكنه لم يحصل، فهو مراد لله شرعا، لكنه غير مراد كونا، إذ لو شاء الله لاهتدى {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعا} [ (99) سورة يونس] ، وكذلك الطاعة التي أُمِرَ بها العبد، ولم يفعلها مرادة لله شرعا، لكنها لم تتعلق بها الإرادة الكونية؛ إذ لو تعلقت بها الإرادة الكونية لحصلت.

الثاني: أن الإرادة الكونية لا يتخلف مرادها أبدا، أما الإرادة الشرعية فقد يقع مرادها، وقد لا يقع، فالله أراد الإيمان من الناس كلهم أراده شرعا ـ يعني ـ أمرهم به، وأحب ذلك منهم، ولكن منهم من آمن، ومنهم من كفر.

فالإرادة الكونية لا يتخلف مرادها، أما الإرادة الشرعية فقد يحصل مرادها، وقد لا يحصل.

ونحو هذا المعنى في [مجموع الفتاوى 8/ 188، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان 11/ 266، وشفاء العليل ص280]

ـ [عبد الرحمن السديس] ــــــــ [07 - Mar-2007, مساء 04:47] ـ

من شرح الواسطية للشيخ البراك

[الفرق بين الرحمن والرحيم]

والمشهور في الفرق بينهما: أن الرحمن يدل على الرحمة العامة، والرحيم يدلُّ على الرحمة الخاصة بالمؤمنين.

وقال بعضهم: الرحمن ـ يعني ـ: في الدنيا، والآخرة، والرحيم ـ يعني ـ: في الآخرة. وهذا قريب من الذي قبله، والحق أنه سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم في الدنيا، والآخرة.

وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال:"الرحمن الرحيم اسمان رقيقان" (1) .

يعني: يدلان على الرحمة، وهي معنى فيه رِقَّة، وتقتضي الإحسان، والإنعام، والإكرام، ولا يقال: إن هذا تفسير للرحمة؛ لأنها صفة معقولة المعنى، وضد الرحمة القسوة، وضد الرحمة العذاب: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [ (54) سورة الإسراء] {يُعَذِّبُُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ} [ (21) سورة العنكبوت] .

وفرَّق ابن القيم [بدائع الفوائد 1/ 42] بين هذين الاسمين: بأن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول: للوصف، والثاني: للفعل، فالأول: دال على أن الرحمة صفته، والثاني: دال على أنه يرحم خلقه برحمته.اهـ

(1) رواه البيهقي في الأسماء والصفات ص56، وضعفه ابن حجر في الفتح 13/ 359

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت