مذهب أهل السنة والجماعة في فعْل المعصية مهما كبرت مالم تصل للشرك، أنها غير مخرجة من الملة، مالم يقم صاحبها باستحلال تلك المعصية، والاستحلال إما أن يكون صريحًا من قول العاصي، أو تدل عليه قرينة جازمة على إرادة الاستحلال، كما في حال الرجل الذي يتزوج إحدى محارمه، فالعقد واستباحة الفرج به قرينة واضحة جازمة على استحلاله، إلا إن كان لا يعلم الحكم الشرعي في ذلك، وهذا غالبًا افتراض ذهني مجرد.
أما ارتكاب المعصية المجردة فهذا لا يلغي حب الله تعالى أو كراهية المعصية في قلب العاصي، والرجل قد يجتمع في قلبه حب شيئين متعارضين متضادين، كما في حال الرجل الذي يزني وهو متزوج، ففي قلبه حب لزوجه وحب لخليلته، وزناه بتلك المرأة لا يلغي حبه لزوجه أو يقدح في أصله، نعم يقدح في تمامه وكماله، لكن لا يلغيه.
كذلك العاصي الذي يعصي، فهو إما يعصي عن شهوة أو شبهة، والشهوة لا تعني بالضرورة المتعة كما هو حال الذي يزني أو يشرب الخمر فإنه يفعلها استمتاعًا بها واستلذاذًا، بل قد تكون من باب الزينة، كحال الذي يسبل ثوبه، أو يحلق لحيته، فهؤلاء عاصون، ومع معصيتهم إلا أن عندهم في قلبهم حب الله ورسوله (ص) ، كما ثبت ذلك عن النبي (ص) في شارب الخمرة أنه يحب الله ورسوله (ص) ، فهذا يدلك على اجتماع ذلك في قلبه، وهو حبه لله ورسوله (ص) وحبه للخمرة التي يشربها، وهو متصور عقلًا وحسًا، ويشهد باعتباره الواقع.
وأما محبة حكم الله تعالى فهذا فيه تفصيل، إن أُريد بالحكم الحكم الشرعي فإن الواجب على المسلمين قبول حكم الله والانقياد له وإن خالف الهوى والشهوة، وقد يقع في قلب بعض الناس استثقال لحكم شرعي لكن ذلك لا يوجب مؤاخذته ما لم يقع منه لفظ أو فعل مناقض، كما ثبت عن نفر من صحابة رسول الله (ص) عندما استثقلوا الحل في صلح الحديبية واستثقل بعضهم الصلح من أصله وعده نوعًا من الضعف، فالمسلم قد يستثقل نوعًا من الطاعة لكن ذلك لا يمنعه من القبول به والانصياع لحكم الشرع فيه، وأما إن أُريد بحكم الله قضاؤه وقدره فإن المسلم ليس ملزمًا بمحبة ذلك ولا بالرضا به، وإنما المحرم عليه هو إبداء التسخط والجزع بقوله وبعض فعله، فله أن يتمنى حالًا أفضل، أو يطلب الأسباب التي تدفعه عنه، ومن هذا الحديث الصحيح في كراهية المؤمن للموت مع كونه حكمًا لله وقدرًا وقضاءً، وبناءً على أصلك فإنه إن كره الموت فقد كره حكم الله وقضاءه، ولازمه - بناء على قولك - أنه يكفر بذلك لأنه كره حكمًا قدريًا نافذًا قدره الله على العبد، وهذا لم يقل به أحد.
والله تعالى أعلم.
ـ [أبو جهاد] ــــــــ [03 - Mar-2007, مساء 08:02] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الفاضل / أبا حماد
بارك الله فيك , وجزاك الله خيرًا , وجعل الله ماكتبته في ميزان حسناتك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ـ [عدنان البخاري] ــــــــ [12 - Mar-2007, صباحًا 12:06] ـ
مذهب أهل السنة والجماعة في فعْل المعصية مهما كبرت مالم تصل للشرك، أنها غير مخرجة من الملة، مالم يقم صاحبها باستحلال تلك المعصية،.
/// أحببتُ التنبيه ههنا إلى أنَّ مذهب أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ من المعاصي ما هو كفرٌ أكبر، مخرجٌ من الملَّة، اقترن به اعتقادٌ أواستحلال أم لا؛ كالسِّحر -فعلًا-، والاستهزاء بالله ورسوله وأحكام الشرع -قولًا-.
/// ولعلَّ كلام الأخ (أبوحماد) المقتبس ههنا والذي علَّمتُ عليه بخطٍ أسفله =يقصد به ما ليس كفرًا من المعاصي، وإلاَّ فالإطلاق هو مذهب المرجئة، لا مذهب أهل السُّنَّة والأثر.
/// أمَّا الاستحلال -دون تأويلٍ- فهو كفرٌ، فعل ما استحلَّه معتقدُهُ أم لم يفعله، فهو كفر اعتقاديٌّ باستقلال.
/// وكذا البغض لأحكام الشَّرع وكراهتها، هو كفرٌ اعتقاديٌّ، بل نفاقٌ خفيٌّ؛ كما قال سبحانه وتعالى: (ذلك بأنَّهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم) ، وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) .