فهرس الكتاب

الصفحة 7262 من 28557

الثاني: حد الردة , فإنه"إكراه"على البقاء في الإسلام , وبذلك اعتبر هذا الوجه من وجوه الإكراه خارجا عن مقتضى الآية وعمومها ....

حد الردة

ـ وبخصوص الأمر الثاني , وهو قتل المرتد , أرى من المفيد ومن الضروري التذكير ببعض القواعد المنهجية , التي تنطبق عليه وعلى سابقه وعلى نظائرهما.

1 ـ لقد تقرر سابقا أن الكليات لا نسخ فيها.

2 ـ وتقرر أن الكليات المحْكمات هن أُم الكتاب وأُس الشريعة , وأنها حاكمة على الجزئيات ومقدَّمة عليها.

3 ـ وقرر الإمام الشاطبي كذلك أن: التشابه لا يقع في القواعد الكلية , وإنما يقع في الفروع الجزئية.

وبيَّن"أن المراد بالأصول القواعدُ الكلية , كانت في أصول الدين أو في أصول الفقه أو غير ذلك من معاني الشريعة الكلية لا الجزئية."ثم قال:"فإذا اعتُبر هذا المعنى , لم يوجد التشابه في قاعدة كلية ولا في أصل عام ..."

4 ـ وطِبقا لكل ما تقدم، قرر الشاطبي قاعدة منهجية أخرى , وهي:"إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان ولا حكايات الأحوال."وذلك لأن القاعدة الكلية تستند إلى أدلة قطعية غير محتملة , بينما القضايا الجزئية المتعارضة معها، ترِد عليها الاحتمالات والتأويلات والشكوك ..

وقد وضَّح المسألة بمثال وقع في زمانه وفي بلده غرناطة، وهو قتل موسى عليه السلام للقبطي , حيث يمكن أن يفهم منه عدم عصمة الأنبياء المقررة في العقيدة الإسلامية ... فكان رأي الشاطبي أن عصمة الأنبياء قضية كلية مستفادة من عدد من الأدلة القاطعة , وهي فوق الشك والاحتمال. فإذا سلمنا بهذه القاعدة , أو بهذا الأصل , أمكننا حينئذ أن نفهم وقوع القتل من موسى للقبطي على أي وجه لا ينقض العصمة ولا يتنافى معها.

"فمُحال أن يكون ذلك الفعل منه ذنبا , فلم يبق إلا أن يقال: إنه ليس بذنب , ولك في التأويل السعة , بكل ما يليق بأهل النبوة ولا ينبو عن ظاهر الآيات."

ونحن نعلم أن قاعدة {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} قطعية الثبوت قطعية الدلالة , فضلا عن كليتها وعموم صيغتها , كما نعلم بالعقل والتجربة أن الإكراه على الدين لا يجدي نفعا ولا ينتج إلا ضررا.

فإذا علمنا هذا وتمسكنا به ولم نحِد عنه , كان بإمكاننا أن نتعامل بشكل سليم مع ما روي من أخبار وآثار تفيد قتل المرتد عن الإسلام , إذا لم يتب ويرجع عن ردته.

فالقول بأن القتل يكون للردة وحدها ولا شيء معها أو سواها , يتنافى تنافياواضحا مع قاعدة {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} فتعين رده وعدم التسليم به. بعد ذلك , فإن هذه الأخبار والآثار الدالة على قتل المرتد، يمكن أن تفهم على أنها:

ـ إما متعلقة بعقوبة تعزيرية،تراعى في اعتمادها الملابسات والمخاطر التي كانت تشكلها حركة الردة على الكيان الإسلامي الناشئ. خاصة ونحن نعرف من خلال القرآن الكريم، ومن سياق الأحداث والوقائع يومئذ، أن كثيرا من حالات الدخول في الإسلام، ثم الخروج منه، كانت عملا تآمريامبيَّتا ينطوي على الخيانة والغدر.

ـ وإما متعلقة بما يقترن عادة مع الردة , من جرائم , أو التحاق بصف العدو , أو نحوها من الأفعال الموجبة للعقوبة. وهذا ما تشير إليه بعض روايات الحديث النبوي الصحيح (لايحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ... ) ، وهو أصح شيئ في الباب. ففي رواية الصحيحين والترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لايحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة) . فالحديث لم يقتصر على المروق من الدين (وهي الردة) ، بل أضاف إليه ترك الجماعة، أو مفارقة الجماعة، أو الخروج من الجماعة، كما في روايات أخرى. وهي إضافة لا يمكن أن تكون بدون فائدة إضافية وبدون أثر في موجب الحكم. ومفارقة الجماعة، أو الخروج عن الجماعة، كانت تعني التمرد والعصيان والمحاربة، وربما الانضمام إلى العدو المحارِب. وهذا ما جاء صريحا في روايات أخرى لهذا الحديث. فعند أبي داود عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لايحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل خرج محاربا لله ورسوله، فإنه يُقتل أويصلب أو ينفى من الأرض، أويَقتل نفسا فيُقتل بها.) وفي رواية النسائي، والطحاوي في مشكل الآثار، عن عائشة أيضا: ( .. أو رجل يخرج من الإسلام يحارب الله ورسوله، فيُقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض)

وبهذا يظهر أن موجبات قتل المرتد، هي ما يقترن بالردة من خروج عن الجماعة وحمل للسيف عليها ... ، كما يظهر أن القتل ليس هو العقوبة الوحيدة الممكنة لمثل هذه الحالة.

وفي جميع الأحوال تبقى قاعدة {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} أصلا سالما مسلَّما , لا يمكن نسخه أو نقضه، ولا القبول بأي شيئ ينفيه، كليا أو جزئيا.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت