فهرس الكتاب

الصفحة 7315 من 28557

وهذا أمثلته متعددة وهي في غاية الظهور في العالم الإسلامي كالتعصب، والمذهبية، والتصنيف؛ فقد أدت هذه الثلاث إلى تشريح المجتمع الإسلامي إلى فئات وأحزاب، بل تجد في أبناء العائلة الواحدة شقاقًا وتناحرًا؛ بسبب هذه التحزبات، وقلّ أن تجد من ينتمي إلى أحد هذه الأحزاب إلا ويشن حربًا لا هوادة فيها على من سواه.

التصنيف هو الأساس في هذه القائمة والأخطر فيها؛ لأنه الذي يؤدي إلى المذهبية المقيتة المنتجة للتعصب المذموم، وهو داء استشرى في الأمة، وامتدت ذيوله في كل مكان، وقد تفاقم سلبيا في الآونة الأخيرة إلى أن أصبح مهنة وهواية عند الكثيرين.

قال السعدي رحمه الله: (وقوله تعالى: {من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون} ،وفي هذا تحذير للمسلمين من تشتتهم وتفرقهم فرقا كل فريق يتعصب لما معه من حق وباطل، فيكونون مشابهين بذلك للمشركين في التفرق، بل الدين واحد والرسول واحد والإله واحد، وأكثر الأمور الدينية وقع فيها الإجماع بين العلماء والأئمة، والأخوة الإيمانية قد عقدها الله وربطها أتم ربط، فما بال ذلك كله يلغى ويبنى التفرق والشقاق بين المسلمين على مسائل خفية، أو فروع خلافية يضلل بها بعضهم بعضا، ويتميز بها بعضهم على بعض، فهل هذا إلا من أكبر نزغات الشيطان وأعظم مقاصده التي كاد بها المسلمين؟! وهل السعي في جمع كلمتهم وإزالة ما بينهم من الشقاق المبني على ذلك الأصل الباطل؛ إلا من أفضل الجهاد في سبيل الله وأفضل الأعمال المقربة إلى الله؟) .

الثالث: يتعلق بأعداء الأمة.

أعداء الأمة هم أعرف الناس بأثر الوحدة والاجتماع؛ لذا جلبوا كل قوتهم في تمزيقها، وهذا التفريق يكون مباشرا من أعداء الأمة أنفسهم، وقد يكون تارة من المندسين في داخلها، كما قد يكون من ضعاف النفوس في هذه الأمة لمآرب شخصية، وأعداء الداخل في الغالب أشد على الأمة من أعداء الخارج، والشواهد زاخرة في التاريخ الإسلامي لكل هذه الخروقات سواء من أعداء الداخل أو الخارج.

الخاتمة:

في حقيقة الأمر هذه الأمة أمة واحدة كما أخبر بذلك ربنا جل وعلا فقال: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون} [المؤمنون:52] لكن هذه الوحدة في الواقع غير فاعلة.

فيا أمة محمد عليه الصلاة والسلام اجتمع القاصي والداني على مصالحهم، واتحد اليهود والنصارى الذين أخبر الله عن اختلافهم بقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُون} [البقرة:113] ، وأنتم أبناء الأمة الواحدة لم تتحدوا!

يا أمة محمد عليه الصلاة والسلام"أطلقوا الإسلام في الهواء الطلق ليتنفس في دائرة الضوء، ولا تحبسوه في العلب الطائفية المظلمة، فإنَّكم بذلك تحررون أنفسكم وواقعكم وحاضركم ومستقبلكم من كلّ أغلال الآخرين. لنكن الفكر الذي يصرخ ويوحي ويحاور في ساحات الإنسان، لا الطبل الذي يرنّ ويدوّي في الفضاء، ولكنَّه لا يحمل لنا إلاَّ الدويَّ والرنين من دون معنى ولا حياة. ولنكن الواقع الذي لا يبتعد عن مواقع السمو، لا الخيال الذي يحلق بعيدًا في الفضاء في متاهات الأوهام والأحلام".

أسأل الله لهذه الأمة النصر والتمكين، وأسأله أن يجنبها براثن الفرقة والشتات، وأن يحفظ عليها دينها وأمنها إنه على ذلك قدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت