وأما إنصافهم؛ فيجوز بما هو فيهم؛ لكي لا يقع المسلم في الظلم، والإنصاف خبر مجرد، لا علاقة له بالإعجاب أو ... الخ. وعليه يحمل قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب مَن إن تأمنه بقنطار يؤدَّه إليك) ، وقوله: (ليسوا سواء .. ) ، وعليه يُحمل حديث عمرو بن العاص - رضي الله عنه - السابق.
أما التحذير من (مدحهم) ؛ فوجدت عنه التالي في كتاب"الفصل المبين في مسألة الهجرة ومفارقة المشركين"للشيخ حسين العوايشة - وفقه الله:
(مما قيل فيمن يمدح حال اليهود والنصارى:
قال العلامة أبو الطيب صديق بن حسن البخاري في كتاب"العبرة" (ص 245) :
"وأما من يمدح النصارى، ويقول إنهم أهل العدل، أو يحبّون العدل، ويكثر ثناءهم في المجالس، ويهين ذكر السلطان للمسلمين، وينسب إلى الكفار النّصيفة وعدم الظلم والجور؛ فحكم المادح أنه فاسق عاص مرتكب لكبيرة؛ يجب عليه التوبة منها والندم عليها؛ إذا كان مدحه لذات الكفار من غير ملاحظة الكفر التي فيهم. فإن مدحهم من حيث صفة الكفر فهو كافر، لأنه مدح الكفر الذي ذمه جميع الشرائع."
وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مدح المسلم بما لا يعلمه المرء، فقال وقد سمع قومًا يمدحون شخصًا:"لقد قطعتم عنق الرجل"أي أهلكتموه.
وأما مدح العدل بما فيه تزكية له عند حاكم أو تعريفًا بشأنه؛ فهو جائز بل قد يجب.
وحاصله أن مدح الكفار لكفرهم ارتداد عن دين الإسلام، ومدحهم مجردًا عن هذا القصد كبيرة يعزر مرتكبها؛ بما يكون زاجرًا له.
وأما قوله؛ أنهم أهل عدل؛ فإن أراد أن الأمور الكفرية التي منها أحكامهم القانونية عدل فهو كفر بواح صراح، فقد ذمها الله سبحانه وشنع عليها؛ وسماها عتوًا وعنادًا وطغيانًا، وإفكًا وإثمًا مبينًا، وخسرانًا مبينًا وبهتانًا.
والعدل إنما هو شريعة الله التي حواها كتابه الكريم وسنة نبيه الرؤوف الرحيم، قال تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) .
فلو كانت أحكام النصارى عدلًا؛ لكانت مأمورًا بها، ولزم على ذلك التناقض والتدافع في الرد عليهم، قال تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون) .فالله سبحانه حكمه هو الحسن لا غيره، فأنى يكون لحكم النصارى حسن لأن كل عدل حسن، وكل جور قبيح، الحسن ما حسّنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع لا العقل.
وقال تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به) . وهؤلاء سموا ما أمرهم الله بالكفر به عدلًا، وغلوا في ضلالهم، (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا) .
وإن أرادوا العدل المجازي الذي هو عمارة الدنيا؛ بترك الظلم الذي هو تخريب الدنيا؛ فلا يلزم منه الكفر، لكنه يزجر عن ذلك الزجر البليغ"."
وقال (ص 248) من نفس الكتاب:
".... فمن أهان السلطان ورفع قدر الكفر وأرباب الطغيان أهانه الله، ومن يهن الله فما له من مكرم، فإن أهان السلطان من حيث رعاية الإسلام، ومدح النصارى واليهود رعاية الكفر صار مرتدًا، وإن مدح من حيث العمارة الدنيوية وضبطها وحماية الرعية عن المظالم، وبذل الأموال في إقامة الناموس الدنيوي؛ وعزة الدعوى؛ فينسب النصارى إلى القيام بذلك، والسلطان إلى القصور فيه كان هذا المادح ممن غلب عليه حب العاجلة على الآجلة، وأشرب قلبه حب الحطام الفاني، وبعد مرماه عن مراعاة سمة الإسلام، فهو بدنياه مغرور، ومحب العاجلة ومؤثرها على الآجلة مفتون مأزور، أعاذ الله إخواننا المسلمين عن ذلك."
قال تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب) .
وهذا المغرور ما درى من جهله وغباوته وبلادته وحماقته وسفاهته، أن حفظ الدنيا الذي حصله برعاية النصارى؛ فوت عليه أضعافًا مضاعفة من دينه، بل ربما جره إلى انطماس معالم الدين بالكلية، فإنه بمخالطته للكفار المذكورين؛ عمت عليه معاملاتهم وقوانينهم الضلالية، فارتكب الربا ورأى الخمر والخنزير وسمع ثالث ثلاثة، وتكاسل عن الصلوات بحكم الوفاق، ورأى الزنا وسمع الخنا، ورضي بالمكوس بأنواعها، واستحسن تنظيماتهم الجائرة، واستمر على ذلك حتى صار له مألوفًا لا يستنكره ولا يستهجنه البتة. وربما مع طول التمادي اعتقد حله بغلب الجهل، فقد حرم دينه من حيث حصل دنياه، والدنيا والآخرة ضرتان ..."."
هذا وفي"الروضة النواوية"في (باب الردة) ما لفظه:"ولو قال معلم الصبيان أن اليهود خير من المسلمين بكثير؛ لأنهم يقضون حقوق معلمي صبيانهم كفر".
وجاء في"أسنى المتاجر".
"وما ذكرت عن هؤلاء المهاجرين من قبيح الكلام، وسب دار الإسلام، وتمني الرجوع إلى دار الشرك والأصنام، وغير ذلك من الفواحش المنكرة التي لا تصدر إلا من اللئام، يوجب لهم خزي الدنيا والآخرة، وينزلهم أسوأ المنازل، والواجب على من مكنه الله في الأرض ويسّره لليسرى؛ أن يقبض على هؤلاء؛ وأن يرهقهم العقوبة الشديدة، والتنكيل المبرح؛ ضربًا وسجنًا حتى لا يتعدوا حدود الله".
وجاء فيه أيضًا:
"وما ذكرتم عن سخيف العقل والدين من قوله:"إلى ها هنا يهاجر"في قالب الازدراء والتهكم، وقول السفيه الآخر:"إن جاء صاحب"قشتالة"إلى هذه النواحي يسير إليه؛ .... إلى آخر كلامه البشيع ولفظه الشنيع، لا يخفى على سيادتكم؛ ما في كلام كل واحدٍ منهما من السماحة في التعبير، كما لا يخفى ما على كل منهما في ذلك من الهجنة وسوء النكير؛ إذ لا يتفوه بذلك ولا يستبيحه إلا من سفه نفسه، وفقد -والعياذ بالله- حسّه". أ. هـ"
والله الموفق ..
(يُتْبَعُ)