فهرس الكتاب

الصفحة 7484 من 28557

فقد كان اليهود يعدون المرأة لعنةً، ويحملونها مسؤولية إغواء آدم - عليه السلام - وخروجه من الجنَّة؛ كما كانت بعض طوائف اليهود تعد المرأة في مرتبة الخدم، وجعلوا لأبيها الحق في بيعها، وكانوا لا يورثونها إن كان لأبيها ذرية ذكور إلاَّ ما كان أبوها يتبرع به لها في حياته.

وأصدق دليل على سوء معاملة اليهود للمرأة ما رُوِيَ عنِ النَّبِيِّ من (( أنَّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعونهن في البيوت ) )؛ وذلك لأنهم كانوا يعتقدون أنَّ المرأة نجسة في هذه الحال، وبالتالي كل ما تلمسه يكون نجسًا مثلها.

وأمَّا عند النَّصارى:

فكانوا لا يسمحون للنساء أن يصلين أو يتعلمن في الكنيسة كالرجل، وإن كن يردن أن يتعلمن شيئًا فليسألن رجالهن في البيوت؛ لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم في الكنيسة.

وفوق هذا فقد غالى رجال الكنيسة في امتهان المرأة، وإهدار قيمتها لدرجة أنَّهم حملوها مسؤولية انتشار الفواحش في المجتمع؛ لذا دعوا إلى الرَّهبنة؛ لأنَّ الزواج دنس يجب الابتعاد عنه - في نظرهم - وعدوها من أمارات التَّقوى والورع.

كما أطلق بعضهم على روح المرأة اسم"الروح الشريرة"؛ حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الاختلاف حول طبيعة المرأة: هل هي مجرد جسم؟ أو لها روح؟ وهل تعد إنسانًا أو غير ذلك؟ وأخيرًا قرروا أنَّها إنسان خلق لخدمة الرجل فحسب، كما عدت بعض مجامع روما المرأة مخلوقًا لا نفس له، ولا حق في الحياة الأخرويَّة، لأنَّها لا تبعث كما يبعث الرجال، إنَّما تنتهي حياتها بالموت كالعجماوات.

نظرة المجتمع الجاهلي للمرأة:

وإذا ما رجعنا إلي البيئة العربيَّة قبل الإسلام، وبحثنا عن نظرة هذا المجتمع للمرأة، نجد أنَّ المرأة كانت مهضومة في كثير من حقوقها، وقد سجَّل لنا القرآن الكريم بعض مظاهر هذا الظلم ليكون حجَّة عليهم.

نظرة الإسلام إلى المرأة:

وبعد أن قدَّمت لمحة مختصرة عن نظرة المجتمعات القديمة للمرأة، أودُّ أن أبَيّن نظرة الإسلام إلى المرأة وطبيعة تكوينها، وبخاصَّة أنه أشرق في وسط الظلام المخيم، وهذه النَّظرة الجائرة الآثمة التي أهدرت كرامة المرأة، ووصفتها بكل رذيلة حسية ومعنويَّة، إلى أن وصل الأمر إلى الاختلاف في شأن إنسانيَّتها، وأحقيتها في التَّنعم بالنَّعيم الأزلي في دار الخلود، في ضوء هذا كله جاء القرآن الكريم ليقَرِّر الحقيقة الجليلة التي لم يستطع أحدٌ إنكارها بعد ذلك، وهي حقيقة مساواة المرأة للرَّجل في أصل الخلقة، واشتراكهما معًا في الطَّبيعة الإنسانيَّة سواء بسواء، وأن لها دورًا مقررًا تسهم به في بناء المجتمع الإسلامي، وهي مسؤولة مثل الرجل أمام الله تعالى إذ قال - عز من قائل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .

وهذا المبدأ الإسلامي بلا شكَّ مبدأ فطرى طبعي، فما دام الناس مربوبين لرب واحد، وناشئين من أصل واحد فهم مشتركون في صفة الإنسانيَّة لا فرق في ذلك بين جنسي الذكورة والأنوثة؛ لأنَّ التَّفرقة بينهما في الاعتبار الإنساني والبشري، وأعظم برهان على ذلك أنَّ الله تعالى وجه خطابه للناس جميعًا (ذكرًا وأنثي) ؛ لأنَّ القضيَّة التي تحدث عنها سبحانه قضيَّة عامَّة، وليست خاصَّة بمجتمع معيَّن، أو زمن محدَّد، ولاسيَّما أنَّ هذه الآية نزلت في المجتمع المدني بعد الهجرة، وكان أكثر أهل المدينة من اليهود الذين اشتركوا مع المجتمعات الأخرى في ظلم المرأة، وتجريدها من خصائصها الإنسانيَّة؛ لذا أمرهم الله تعالى مع سائر المكلفين بتقواه تعالى فهو خالق البشر جميعًا من أصل واحد، فعلينا أن نتجنَّب غضبه، ونحذر من عصيانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت