تحدث الصايغ أيضًا عن التحريم في المسيحية والإسلام، عن تحريم الموسيقي والأيقونات، عن تحريم النحت وتحليل الحفر، مشيرًا إلي زيادة التحريمات من خلال سؤال مواطن أحد رجال الدين: هل يجوز شراء سيارة مستعملة كان صاحبها يشرب فيها الخمر ويستمع إلي الموسيقي؟ وختم الصايغ مقدمته باستشهاد من كتاب تقرير إلي غريكو للروائي اليوناني كانتزاكس الذي كفّرته الكنيسة ورفضت الصلاة عليه، عن متصوفة لا يتكلمون بل يرقصون طوال الوقت. وحين سألهم أحد رجال الدين: كيف تصلون؟ أجاب كبيرهم: الملائكة لا يتكلمون بل يصلون رقصًا. الرقص باب من أبواب الجنة.
بدافع الحماية
بدأ نصر حامد أبو زيد، المتخصص باللغة العربية والدراسات الإسلامية، محاضرته التي امتازت بالرصانة البحثية وخفة الدم معًا، بالحديث عن رغبته القديمة في أن يكون شاعرًا، ولما لم يستطع إلي ذلك سبيلًا، اختار أن يكون مفكرًا لأن التفكير أسهل من الشعر لكنه ألعن منه. الفن قمة التحرر. واحدة من الجمل الأولي التي استهلت المحاضرة. إنه تحرر من أسر اللغة القطعية، تحويل اللغة إلي موسيقي وإيقاع. الرقص تحرير الجسد من قوانين الجاذبية ومن ثقل الجسد نفسه. الرسم إعادة الألوان إلي أفق غير الذي تراه العين. الموسيقي تنظيم فوضي الأصوات. الفن حرية لهذا هو حرام. كانت هذه الجمل الشفوية الأولي التي شكلت مدخلًا لما سيقوله المفكر لاحقًا عبر محاضرة مكتوبة مع استطرادات هنا وهناك، معتبرًا أن التحريم يتجلي في أكثر من أفق، ليس في الدين فقط، بل في الخطاب السياسي والاجتماعي والأسري، وهو يتحرك بدافع الحماية.
تصحيح سيد قطب
في البداية انطلق أبو زيد من مقدمتين ونتيجة. في المقدمة الأولي أشار إلي صعوبة الإجابة تاريخيًا علي السؤال حول خروج الدين من الفن أم خروج الفن من الدين. السؤال نفسه ـ حتي بلا جواب يقيني ـ يضع الدين أمام مأزق وجودي. إذا كان الفن خرج من الدين تكون المشكلة محلولة، فالعلاقة بين المقدس والفن علاقة قديمة. أما إذا كان الدين خرج من الفن فهذا يطيح بالجانب الميتافيزيقي للدين. يطيح بالوحي. في كل حال، تجاوز المحاضر الجواب ليبدأ بالمقدمة الأولي المستمدة من كتاب التصوير الفني في القرآن لسيد قطب. لقد صدر هذا الكتاب (دار المعارف 1945) في الفترة التي تعد بداية الازدهار الفكري والأدبي في العالم العربي، خصوصًا في مصر، في فترة نشر نجيب محفوظ روايته أولاد حارتنا التي هي قراءة دينية بطريقة أدبية علي حد رأي المحاضرة. لم يكن استشهاد المحاضر بسيد قطب (دعا الاخوان المسلمين إلي إعادة قراءته) عبثًا. لقد اختار شخصًا يُعدُّ مؤسسًا في خطاب التحريم والتكفير كما هو شائع من خلال طروحاته حول الحاكمية الإلهية والجاهلية الجديدة والولاء والبراء وتكفير النظام السياسي والمجتمع وسوي ذلك. هذا ما أعرفه شخصيًا عن سيد قطب من خلال كتابه معالم في الطريق وإن كنت أعرف الرقة الخفية فيه من خلال سيرته طفل من القرية أو بداياته كناقد قبل ان يهاجر إلي الولايات المتحدة الأميركية ويعود منها متشددًا. لكنني فوجئت باستشهاد أبو زيد بهذا الكتاب كما في المقطع الآتي: التصوير هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن، فهو يعبر بالصورة المحسِّنة المتخيلة عن المعني الذهني والحالة النفسية وعن الحادث المحسوس والمشهد المنظور وعن النماذج الإنسانية والطبيعية. ثم يرتقي بالصورة التي رسمها، فيمنحها الحياة الشاخصة ... . هذا المقطع مضاف إليه مقاطع أخري تكشف علاقة القرآن بالفن كما يراها سيد قطب الذي ذكر مفردات في نص من نحو سبعة أسطر مثل لوحة، التخييل، العرض، المسرح وغيرها، مستنتجًا- أي قطب- أن القرآن تصوير باللون وتصوير بالحركة وتصوير بالتخييل.
المقدمة الثانية كانت هي الأخري مستمدة من كتابات سيد قطب. تحدث أبو زيد عن ضجر قطب من الطريقة التي يتم بها تناول القرآن، متذكرًا علاقته بالقرآن حين كان طفلًا في القرية، القرآن اللذيذ الجميل قبل أن يكتشف: لقد طُمست كل معالم الجمال فيه وخلا من اللذة والتشويق. لهذا ينتهي سيد قطب إلي القول: وعدت إلي القرآن أقرؤه في المصحف لا في كتب التفسير.
(يُتْبَعُ)