فهرس الكتاب

الصفحة 770 من 28557

والرسل، و سيأتي الكلام على بيانه بما يقتضي بطلانه.

و ليست هذه بأول غلطة دخلت في عقائد الناس، و تناقلوه من جراء سوء الأحاديث الموضوعة، التي عملت التأثير في الأمة، في إدخال البدع، و تغيير السنن، إذ تأبى حكمة الله و حكمة بعثته لأنبيائه، أن يكون فيهم من أوحي بشرع و لم يؤمر بتبليغه.

يقول الله سبحانه: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح و النبيين من بعده و أوحينا إلى إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و الأسباط و عيسى و أيوب و يونس و هارون و سليمان وآتينا داود زبورا. و رسلا قد قصصناهم عليك من قبل و رسلا لم نقصصهم عليك و كلم الله موسى تكليما. رسلا مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل و كان الله عزيزا حكيما) فذكرهم أولا باسم النبيين، ثم ذكرهم في آخر الآيات باسم الرسل. و المعنى واحد، كما أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم نبي رسول، يخاطبه القرآن بقوله: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا. و داعيا إلى الله بإذنه و سراجا منيرا) ، و بقوله:

(يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك و إن لم تفعل فما بلغت رسالته) .

و قد وصف الله الأنبياء رسالة ربهم، فقال سبحانه: (و ما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء و الضراء لعلهم يضرعون) .

و قال: (و كم أرسلنا من نبي في الأولين) ، و» و كم «يؤتي بها للتكثير، أي عدد كثير. و قال: (و ما أرسلناك من قبلك من رسول و لا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته و الله عليم حكيم) ، فسماهم ــ سبحانه ــ مبشرين

ومنذرين، كما سماهم مرسلين. فهذه الآيات، لا تبقى مجالا للجدل. و كيف يتلاءم صفة النبي الذي أوحي إليه بشرع و لم يؤمر بتبليغه، مع الوعيد الشديد على كتمان العلم، و عدم بيانه، في قوله: (و إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس و لا تكتمونه) .

و قال: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى من بعد ما بيناه في الكتاب أولئك يلعنهم الله و يلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا و أصلحوا و بينوا فأولئك أتوب عليهم و أنا التواب الرحيم) .

والله سبحانه قد سمى محمدا رسولا منذ نزل عليه الوحي بغار حراء في قوله: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ و ربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم) ، فهذه السورة ليس فيها الأمر بالتبليغ و الدعوة، لكن الله سماه رسولا منذ أنزلها عليه، فقال سبحانه:(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم

ويعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). و في الآية الأخرى:(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب

والحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين).

فالبعثة هي ابتداء النبوة و الرسالة، و هي ابتداء نزول القرآن عليه، فمنذ نبئ باقرأ

وهو رسول. فالفضل كل الفضل، هو في البعثة ــ أي ابتداء النبوة بابتداء نزول القرآن عليه

وبينها و بين المولد أربعون سنة، فقولهم: إنه نبئ باقرأ، و أرسل بالمدثر كما قاله ابن كثير ليس بصحيح، و الصحيح أنه نبئ و أرسل باقرأ و بالمدثر و بجميع القرآن.

و إنما الأمر بالجهر بالدعوة و تبليغ الرسالة بعد نزول (يا أيها المدثر. قم فأنذر. و ربك فكبر. و ثيابك فطهر. و الرجز) .

وذلك من بعد الفترة المتخللة لما بين نزول اقرأ، و نزول المدثر. و قد قيل: إنها أربعون يوما، و قيل أكثر من ذلك. و قد تمثل له جبريل في أثنائها، و يقول له: إنك لرسول الله حقا.

فالصحيح: أنه أرسل باقرأ، كما أرسل بالمدثر، و بالقرآن كله.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت