فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الطبري عام سبع من الهجرة، وأثبت بن سعد عام ست من الهجرة، ويشير الطبري في رواية عن بن اسحاق أن الرسائل توالت ما بين الحديبية و وفاته صلى الله عليه وسلم (انظر الطبري ج2 ص645) ، ورغم أن سنده فيه ضعف إلا أن بن هشام الذي استدرك عليه روى أن إرسال الرسل كان بعد الحديبية وسنده فيه محمد بن اسماعيل بن عياش وهو ضعيف (انظر الطبراني، ج5 ص305) ، فالأولى الأخذ برواية بن اسحاق إذ يمكن بها الجمع بين المتفرقات في هذاا لشأن، وهو ما رجحه عدد من الباحثين مثل د. مهدي رزق الله في كتابه السيرة النبوية ص514.
ثانيا: قصة يوسف عليه السلام:
مرة أخرى، ننوه بأنه لا يصح أن تعارض قاعدة كلية بقضية عين أو حكاية حال، ومن فعل ذلك كان إما جاهلا أو مغرضًا، ونحن نعيذ الإخوة المفتون و"الفقهاء المعاصرون"من كلا الصفتين.
فإنه أولا إن صحّ أن يوسف عليه السلام قد فعل هذا فإنه لا يصح في شرعنا أذ أثبتنا أن ذلك من القواعد العامة الكلية، وأمر الإشتراك في السياسة لدى الحكومات الكافرة أمر فرعيّ كما اتفقنا عليه، فلم يكن بد من أن يكون مما لا يشرع لنا لمخالفته لأصلنا الثابت.
هذا إن صح أن يوسف قد فعل هذا، إلا أن هذا الإدعاء لا يصح، فإن صريح القرآن أنه كان متصرفًا فيما تحت يده من الأمور، وعلى هذا بنى الإئمة الأعلام من الأقدمين شروطهم التي تقدمت في أول المقال والتي ذكرها أصحاب الفتوى، فلو أن يوسف لم يمن متمكنًا، كما يرى ذلك بن تيمية وغيره، لم يضعوا هذه الشروط ابتداءًا. ثم إن قول القائل: ?وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ? وقولهم أن"مِن"في الآية للتبعيض؛ لأنه لم يكن مستقلاًّ في الحكم، فهذا من الخطأ بمكان، إذ إن قصد فيها أن التبعيض هنا يقصد المشاركة في الحكم في نفس الأرض!، فإن"من"في قوله تعالى: منها، تتعلق بالأرض التي ذكرها الله سبحانه أنه قد بوأها يوسف (لا بعضها) ، والتي هي إما كل ما يملكه فرعون على قول بعض المفسرين، أو أنها الطعام والخراج في مصر على قول آخر، فليس في"من"تبعيض ولا إشارة لتبعيض! قال الألوسي:"ومنها: متعلق بما عنده وقيل بمحذوف وقع حالا من حيث"روح المعاني ج7 ص8، والأصح أنه كما قال أولا أنها تتعلق بكل ما عنده من"أرض"إذ أن القول الآخر قد استدرك عليه.
لا شك أنه كان للملك نظام موضوع، إلا أن يوسف عليه السلام كان متمكنا مما يؤديه وما له عليه من سلطة وبهذا تجتمع الايات وتتقارب المفاهيم، ثم أنه لا شك أن الحكم قد آل اليه بالكلية في النهاية كما في قوله تعالى: ?يَآأيُّهَا الْعَزيْز?، وقوله هو: ?رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ?، وقول الله تعالى: ?وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ?، فهذا يشير إشارة واضحة لأنه كان ممكّنا أولا تمكينا تاما فيما تحت يديه، ثم آل الأمر اليه في النهاية، إن كان هناك فارق زمني بينهما، وهو ما ذكرته الفتوى عن بعض الأفاضل ولم تعن مرة أخرى بالرد عليه، وإنما انتهت إلى القول"بما يطمئن القلب اليه ..."كما في قول المفتين!!
ثم ما هو وجه التشابه بين المناطين، مناط يوسف ومناط سياسيّ الغرب من المسلمين؟ هل يدّعى المجيزون أن يوسف عليه السلام، وإن اشترك في حكومة كافرة، كان يحكم بغير شرع الله ولو في جزئية واحدة، أم أنهم يدّعون أن أولئك الذين يبحرون في خضم السياسة الأمريكية سيتمكنون من أن يطبقواأحكام الشريعة ولو في جزئية واحدة؟ إن كان جوابهم عن الأولى أن يوسف كان يحكم بغير شرع الله في بعض الجزئيات، فعليهم مراجعة إيمانهم كلية، وإن قالوا بل سيقوم هؤلاء المتسيسون من المسلمين بإقامة العدل وتأمين المصالح، فهم قد قرروا أن الدستور الأمريكي يكفل العدل ويضمن الحرية لكل فرد، أو كما قالوا نصا:"يسمح لكل من في المجتمع بالمشاركة وِفْق ضوابط معينة، ويكفل الحرية والحركة المطلقة لكل المواطنين، وليس هناك تفريق على أساس الدين أو الجنس أو العرق وغير ذلك."!!؟ ونحن وإن كنا نرفع حاجب العجب لهذا التصريح، إلا أننا نقول: فما هي الحاجة إذن إلى أن يشترك مسلم في السياسة وحاجات المسلمين مكفولة وحرياتهم مأمونة، ويعرّض نفسه ويفتن غيره ويقع في محاذير التشبه بالكفار وموالاتهم.
لعل الله سبحانه أن يغفر لنا خطايانا ويرفع عنا جهلنا واسرافنا في أمرنا إنه سميع مجيب.