استدل الدكتور قميحة بعدد ممن تركوا الإخوان وخرجوا من الجماعة على أنهم من أبنائها ومفكريها، كالشيخ الغزالي رحمة الله عليه، والشيخ القرضاوي. فهل غاب عنه أنهم لم يعودوا من منتسبي الإخوان، أم هي عادة تأصلت في الجماعة أن تحيط بردائها من ارتفع شأنه، حين يتعذر تجاهله، فتنسبه لنفسها أمام العامة، كما حدث مع الأستاذ سيد قطب رحمة الله عليه.
ثم نهنئ الدكتور على المتغير في فكر الجماعة، الذي أدى إلى ترشيح أحد الأخوات في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة! ونترقب ما تأتي به المتغيرات في الأيام القادمات.
إذن فإن قضيتنا مع الدكتور قميحة في هذا الموضع هي قضية منهج، كما أنه رأى قضيته مع الأستاذ جمال قضية منهج كذلك. ومنهج الدكتور هو منهج المستمسك بالنظريات والحرفيات، الذي لا يريد أن يفتح عينيه على ما يجري حوله، إذ أن ما يجري حوله قد وصفه مرشدو الإخوان ومنظروهم في تلك الكلمات الساطعة والمفاهيم العالية، فما لنا ولهؤلاء الذين ينغصون علينا هذا الحلم الجميل، وما لنا يراد بنا أن نصرف الجهد في استقصاء ما تقصد إليه هذه الحفنة من الخارجين إن ثبت لدينا ما قد خطّته يراعات قاداتنا في كتبهم المطبوعة وعلى أشرطتهم المسموعة؟
ونحن لا نختلف كثيرًا مع الدكتور على ما أورده في مقاله من نقولات عن منظري الإخوان الأوائل، ولكننا نريد له أن يتجاوز المسطور ليرى الواقع وما قد يحتويه من شوائب تفسد حسنه وتهدد باغتيال مصلحته القائمة.
إننا، يشهد الله سبحانه، كبقية المسلمين الملتزمين بمنهج الإسلام، نريد للإخوان المسلمين أن يتحقق مطلبهم وأن تنجح مقاصدهم، بل وأن يصبحوا قوة مؤثرة في الواقع، بل أن يصبحوا القوة المؤثرة في الواقع، إذ أن مسعاهم هو مسعى كافة المسلمين الغيورين على الإسلام، وإنما نختلف مع الدكتور قميحة، وعن الدكتور قميحة، في أننا لا نرى النجاح في مساعي أي من الجماعات الإسلامية، سواء كانت هذه الجماعة أقدمها أو أوسطها أو آخرها نشأة، إلا بالأسباب التي جعلها الله وسيلة لتحقيق هذا النجاح، ومن أهمها أن لا ترى نفسها أعلى من النقد أو أنها مبرأة من كل عيب، أو أن مسيرتها هي المسيرة التي لا تخطئ وأن قافلتها هي القافلة التي لا تضل، وإلا فالإخوان على مسرح الأحداث منذ ما يربو على ثلاثة أرباع القرن، فأين الأمة من المنهج الإسلامي الآن؟ وأين هو النجاح الذي يستدل به على مسيرة لا تخطئ وقافلة لا تضل؟ إنه من الثابت المستقر أن نجاح المساعي الإسلامية قاطبة لن يتحقق إلا بضمان صحة منهجها وقدرتها على الالتزام بالسنن من ناحية، وبرؤية مناحي ضعفها بمنظار الآخرين من ناحية أخرى، فالعصر، يا أحبابنا من أبناء الإخوان، ليس عصر النبوة الذي لا يأتي مرشدَه _ الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، إنما عصرنا هو عصر اجتهادات إن أصابت فمن الله، وان أخطأت فمن أصحابها ومن الشيطان.
وكنت قد أصدرت قراءة في ملف الإخوان في العدد الثالث عشر من المنار الجديد، عرضت فيه لبعض تلك السلبيات التي أصبحت من معالم الإخوان، يكاد يجمع عليها من له علم بشأنهم، فليرجع إلي المقال من يشاء، إلا أنني أود أن أؤكد في هذا الموضع أنه لا عيب في أن تعالج الحركة مواضع ضعفها حتى تعود إليها مصادر قوتها، ولكن العيب كل العيب، والخطل كل الخطل في أن تغمض العين عما يجري في دهاليزها وبين أروقة أتباعها لكي تعيش في حلم"الجماعة الأم"وأمنيات"الكلُ منصهِر في بوتقة واحدة"وما إلى ذلك من تصورات تنبأ عن سلامة نية مصحوبة بغفلة عن الواقع وحقائقه.
ثم أمر في مقال الدكتور قميحة لا نختلف فيه معه، وهو أن خلاف الرأي لا يفسد للود قضية. والله من وراء القصد، سبحانه.
[مجلة المنار الجديد، 2003]