فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكذلك إذا ثبت اعتبار الشارع لجنس أمر أو نوعه فلا يمكن أن نلغيه إلا بنص على عينه.
وبذلك نعلم أن الاستدلال بالمصالح المرسلة عند من يقول به ليس استدلالا منفصلا عن النص ,بل هو استدلال مقرب للنص ومبين له.
أما على قول من برد الاستدلال بالمصالح المرسلة وهم جمهور العلماء فيرون أن لا حاجة إلى استحداث دليل جديد لاسيما والاستدلال به مبني على فرضية وجود ما لم يرد من الشرع اعتباره أو إلغاؤه.
وبذلك يثبت أن المصلحة المرسلة سواء أقلنا بها أم رددناها ,إنما هي شاهد على رعاية العلماء رحمهم الله للنصوص في جميع الأزمان ولا يمكن استخدامه ذريعة لرد النصوص والعبث بالمحكمات تحت أي ذريعة.
وحين نقول: إن كل ما يرد عل العباد من نوازل لا بد أن نجد في الشرع ما يثبته أو يلغيه , فإننا نقطع الطريق أيضا أمام من يحاول اتخاذ البراءة الأصلية دليلا منفصلا عن النصوص يتيح لهم فرصة الحكم بإباحة ما تزينه لهم الأهواء سعيا وراء عصرنة الدين.
وذلك أن البراءة الأصلية أو الأصل في الأشياء الإباحة: إنما هي مقيدة بالمنافع , ولذلك عبر كثير من محققي أصول الفقه عن هذه القاعدة بقولهم: الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم , فإذا تبينا ذلك عرفنا: أن الحكم بإباحة أمر بناء على عدم دليل يحرمه لا بد أن يسبق بنظر آخر , وهو تأمل هذا المحكوم عليه هل هو من المنافع أم من المضار؟ , فإذا تحقق كونه منفعة محضة حكمنا بإباحته , وإن ثبت كونه مضرة محضة قلنا بتحريمه , فإن تردد بين النفع والضرر حكمنا للغالب منهما.
إذا فالقول بأن الأصل في الأشياء الإباحة قول مقيد بالمنافع , ولا يصح استخدامه مطلقا , إذ من الأشياء ما يكون الأصل فيها التحريم وهي التي تعود بالضرر على النفس والمجتمع.
وحين نريد التعرف على المنافع والمضار لا بد أن تكون نصوص الشرع هاديا لنا في معرفة كنه الأشياء , إذ إن المنفعة والمضرة ليس قياسهما دنيويا محضا فتتجرد العقول لتهتدي إليه , بل هو ديني أولا دنيوي ثانيا , فلا بد للحكم بمنفعة أمر التحقق من كونه لا يعود على دين العبد بالضرر مطلقا , فإن عاد على الدين بالضرر فلا عبرة بما ينتج عنه من منافع دنيوية ولو كثرت.
كما أننا نقطع بأن ما يعود بالنفع على دين العبد ويعود بالضرر على دنياه لا وجود له مطلقا , وإن توهمه العبد فليس حقيقة في نفس الأمر.
أما الخلاف الفقهي: فهو في مجال عصرنة الدين قضية وحده: إذ نرى كثيرين من دعاة هذه الفكرة يجعلون الخلاف في مسألة ما وحده مبررا للتخير بين الأقوال في حكمها , ويرون أن مناط الاختيار هو مناسبة الحكم المختار لظروف العصر وحاجة الناس إليه, ولا عبرة عندهم بمدى فرب القول المختار لديهم من النص أو بعده عنه , فكون أحد العلماء قال بهذا القول يعد عندهم شافعا لاعتماده إذا كان متناسبا في زعمهم مع حاجات العصر ومتطلباته.
ومن المعلوم عند علماء الأصول: أن العامي لا يجوز له الترجيح بين أقوال المجتهدين وإنما يجب عليه الرجوع إلى من يفتيه في مسألته , كما أنه لا يجوز له التنقل بين الأقوال تشهيا بل لا بد للمقلد من التحري في من يستفتيه فإذا أفتاه فقد لزمته الفتوى.
وكذلك اذ اختلف المجتهدون فليس للعامي أن يرجح بين أقوالهم , وإنما الترجيح مهمة المجتهد المنتصب للفتوى , وإذا اختلفت عليه أقوال الأئمة نظر في أدلتها ورجح من الأقوال ما كانت أدلته أقوى سندا أو دلالة , ولا بأس على المجتهد إن ترجح لديه خلاف قول الجمهور ما دام مستخدما لأدوات الترجيح الصحيحة التي نص عليها الأصوليون في مصنفاتهم وأولها موافقة المنصوص عن الله ورسوله.
وكون قول من الأقوال أنسب للعصر وأيسر على الناس , لا يعد دليلا قائما بذاته تقاوم به النصوص , أو يرجح به بين أقوال أهل العلم , لكنه علامة يعرف بها المجتهد صحة مذهبه إذ إن التيسير على الخلق والرفق بالعباد من خصائص دين الإسلام , لكن لو صح الدليل في حكم لم نتعرف نحن على وجه كونه يسرا ورفقا على الناس فليس هذا مانعا من الامتثال للحكم كما أن عدم معرفتنا بأوجه التيسير في هذا الحكم لا تعني عدم وجودها.
(يُتْبَعُ)