فهرس الكتاب

الصفحة 8209 من 28557

و قال شارح الصحيح الحافظ ابن حجر [في فتح الباري 12/ 324] بعد أن ذكر طائفة من أقوال العلماء و خلافهم في مسألة الإكراه بتهديد الغير: (و المتجه قول بن بطال أن القادر على تخليص المظلوم توجه عليه دفع الظلم بكل ما يمكنه فإذا دافع عنه لا يقصد قتل الظالم و إنما يقصد دفعه فلو أتى الدفع على الظالم كان دمه هدرًا و حينئذ لا فرق بين دفعه عن نفسه أو عن غيره) .

و روى أبو داود من حديث جابر و أبي طلحة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من امرئ مسلم يخذل امرَءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، و ينتقص فيه من عرضه؛ إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته، و ما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، و تنتهك فيه حرمته؛ إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته) .

و أخرج الإمام أحمد و السيوطي (في المعجم الصغير) بإسنادٍ حسّنه عن سهل بن حُنَيف عن أبيه عن النبي قال: (من أُذل عنده مؤمن فلم ينصره، و هو يقدر على أن ينصره أذله الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة) .

قال الإمام المناوي رحمه الله شارحًا هذا الحديث [في فيض القدير: 6/ 46، 47] : (من أُذِلَّ) بالبناء للمجهول (عنده) أي بحضرته أو بعلمه (مؤمن فلم ينصره) على من ظلمه (هو) أي و الحال أنه (يقدر على أن ينصره أذله اللّه على رؤوس الأشهاد يوم القيامة) فخذلان المؤمن حرام شديد التحريم دنيويًا كان - مثل أن يقدر على دفع عدوّ يريد أن يبطش به فلا يدفعه - أو دينيًا.اهـ.

قلتُ: فلو وضع المسلم الذي يعيش العيش الرغيد نفسه في موضع أخيه المتقلب في الآصار و الأغلال، و استشعر الأخوة الإيمانية التي تجمعهما، لبذل الغالي و النفيس في تنفيس كربة أخيه، و جاد في سبيل تحريره بكل ما تملكه يمينه، و لا أظننا في زمان يخذل فيه المسلم أخاه، بالكلية و إن كثر المخذلون، ففي الأمة طلائع طائفة منصورة، لن يزال أبناؤها على الحق ظاهرين.

و لو لم يرد في الشريعة المطهرة إلا ما تقدم من النصوص العامة في الدلالة على وجوب نصرة المسلم و الذب عن عرضه، و الدفاع عنه، لكفى بها دليلًا على وجوب استنقاذ الأسرى و فكاك المعتقلين، و حافزًا على بذل الوُسع في رفع المظلمة و دفع الضيم عنهم.

فكيف و قد وردت نصوص ظاهرة الدلالة على وجوب هذا العمل بعينه، كما في قوله تعالى: {وَ مَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَ اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75] .

قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: (و تخليص الأسارى واجب على جميع المسلمين إما بالقتال و إما بالأموال، و ذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها، قال مالك: واجب على الناس أن يُفْدوا الأسارى بجميع أموالهم، و هذا لا خلاف فيه ... و كذلك قالوا: عليهم أن يواسوهم فإن المواساة دون المفاداة) [تفسير القرطبي: 5/ 257] .

و قد أمر بذلك نبي الرحمة صراحة ً كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنه قال: (فكوا العاني ـ يعني الأسير ـ و أطعموا الجائع و عودوا المريض) .

قال الحافظ ابن حَجَر [في الفتح: 6/ 167] : (قال سفيان: العاني: الأسير، قال ابن بطال: فكاك الأسير و اجب على الكفاية، و به قال الجمهور، و قال إسحاق بن راهويه: من بيت المال، و روي عن مالك أيضًا) .

و قال الإمام المناوي شارحًا هذا الحديث في فيض القدير: (فكوا) خلِّصوا، و الفكاك بفتح الفاء و تكسر التخليص، (العاني) بمُهملة و نون أي أعتقوا الأسير من أيدي العدو بمال أو غيره كالرقيق قال ابن الأثير: العاني الأسير و كل من ذّل و استكان و خضع فقد عنا قال ابن بطال: فكاك الأسير فرض كفاية و به قال الجمهور و قال ابن راهويه: من بيت المال، و رُوي عن مالك و قال أحمد: يفادي بالرؤوس أو بالمال أو بالمبادلة.اهـ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت