فكانت كتب الفكر الإسلامي الأصيل ضرورية تجاه تلك الأفكار المنحرفة، وكما فعل من قبل شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عندما واجه تلك الأفكار الفلسفية والكلامية والصوفية باللغة والأسلوب الذي يفهمه أولئك، فأظهر الحجة عليهم وكشف ضلالاتهم، ومن المناسب أن نورد ما يقرر ذلك من كلامه - رحمه الله: «ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات، كالسلاح في المحاربات، فإذا كان عدو المسلمين في تحصنهم وتسلحهم على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس و الروم، كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة ... إلخ» [3] .
وأحسب أن هذه الصحوة المباركة قد ارتقت - نضجًا وعلمًا - بدءًا من الكتب
الفكرية الأصيلة في تقرير الثقة بالإسلام والرد على أعداء الإسلام إلى الاشتغال بالعلوم الشرعية في تقرير منهج السلف الصالح والرد على المبتدعة إلى غير ذلك؛ فما كان للسلفيين أن يحقروا الكتب الفكرية الإسلامية الأصيلة وهم يقررون قبول الحق من كل شخص ولو كان كافرًا، وها هو العلاَّمة ابن باز - رحمه الله يقرأ كتاب (النظرية السياسية) للمودودي رحمه الله مقررًا له [5] ،
وها هو العلاَّمة الألباني - رحمه الله - يورد كلامًا طويلًا لسيد قطب - رحمه الله - في مقدمة كتابه (مختصر العلو) للذهبي.
رابعًا: ادعى الكاتب أن السلفيين لا يعرفون جملة من المذاهب الفكرية
كالقومية العربية والماركسية والبعث العربي .. وأما آخر النظريات الفكرية فإن غالب النخب السلفية لم يسمعوا بأسمائها فضلًا عن دراستها، هكذا قال الكاتب -
هداه الله -.
ويبدو أن الكاتب كان يتحدث عن هذا المأخذ وقد انقدح في ذهنه نمط محدد من السلفيين، وليس من العدل أن يُحكم على جميع السلفيين أو غالبهم من خلال الحكم على طائفة منسوبة إليهم، وإلا فكيف غاب عن الكاتب جهود الأستاذ محمد رشيد رضا الإصلاحية ضد الأفكار المنحرفة؟
وأين جهود العلاَّمة عبد الرحمن السعدي تجاه الملاحدة كما في رسالتيه:
«انتصار الحق في الرد على الملاحدة»
و «الأدلة القواطع والبراهين في إبطال أصول الملحدين» ؟
بل كتبَ الشيخ السعدي لمحمد رشيد رضا رسالة يؤكد عليه أن تُعنى مجلة المنار بالردّ على الملحدين.
وأين إنجازات سيد ومحمد قطب في مواجهة التغريب والمذاهب المادية ومشكلات الحضارة؟
وأين مؤلفات الدكتور محمد محمد حسين - رحمه الله - في الرد على المذاهب الأدبية والفكرية كما في مؤلفاته أمثال:
(الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر) ،
و (حصوننا مهددة من الداخل) ،
و (الإسلام والحضارة الغربية) ؟
وأين مواقف العلماء تجاه الغزو التشريعي والتشكيك في تحكيم الشريعة مثل ما كتبه الشيخ أحمد شاكر، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والعلاَّمة محمد بن إبراهيم آل الشيخ، والشيخ عبد الرحمن الدوسري - رحمهم الله -؟ [5] .
وتأمل ما سطره العلاَّمة السعدي (ت 1376هـ) في الرد على تلك الدعوى:
«قد عُلِمَ من قواعد الدين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد ولا يخفى أنه لا يتم التحرز من أضرار الأمم الأجنبية والتوقي لشرورها إلا بالوقوف على مقاصدهم ودرس أحوالهم وسياساتهم، وخصوصًا السياسة الموجهة منهم للمسلمين؛ فإن السياسة الدولية قد أسست على المكر والخداع وعدم الوفاء واستعباد الأمم الضعيفة بكل وسائل الاستعباد؛ فجهل المسلمين بها نقص كبير وضرر خطير، ومعرفتها والوقوف على مقاصدها وغاياتها التي ترمي إليها نفع عظيم، وفيه دفع للشر أو تخفيفه، وبه يعرف المسلمون كيف يقابلون كل خطر» [6] .
ولا يزال باحثو أهل السنة وعلماؤها - في هذه السنوات الأخيرة - يسطرون الكتب والرسائل العلمية تجاه جملة من الأفكار الوافدة [7] .
(يُتْبَعُ)