ـ [صالح السويح] ــــــــ [02 - Jun-2008, مساء 05:07] ـ
أما الجواب على سؤال: [هل الحق يتعدد؟] :
هذه مسألة أصولية اختلف فيها العلماء ونذكر من خلافهم على وجه الإجمال ثم التفصيل ما يلي:
1 -قيل الحق واحد لا يتعدد لا في أصول الدين (ما لا يسوغ فيه الاجتهاد) ولا في فروعه (ما يسوغ فيه الاجتهاد) .
2 -وقيل الحق يتعدد وهو تبع لاجتهاد المجتهد فما أدى إليه اجتهاده فهو الحق في الأصول والفروع.
والتفصيل كالتالي:
فأما القول الأول: أن الحق واحد لا يتعدد في الأصول والفروع فهو الحق عينا لموافقته النصوص الدالّة على ان الحق واحد لا يتعدد والأدلة على ذلك كثيرة قال الإمام ابن قدامة رحمه الله:"الدليل أن الحق في جهة واحدة الكتاب والسنّة والإجماع"ا. هـ (2) و ذكر الإجماع العلامة الشوكاني رحمه الله في كتابه إرشاد الفحول (3) .
فالدليل من القرآن:1 - قوله تعالى: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (البقرة:213) . قال الإمام ابن كثير رحمه الله (1/ 219) :"قال الربيع بن أنس: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} أي: عند الاختلاف، أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل عند الاختلاف"ا. هـ فهذه الآية تفيد أن الحق هو أحد الأقوال التي اختلفوا إليها ولهذا ذكر الله تعالى بأنه هدى ودلّ المؤمنين إلى الحق الذي هو دين الله من هذه الأقوال المختلف فيها.
2 -قوله تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] . قال العلامة ابن القيم رحمه الله:"الطريق الموصل إلى الله واحد" (4) فهذه الآية تدل على دين الله واحد، وما عداه فليس بدين الله إذ أن دين الله لا يتناقض.
ـ [صالح السويح] ــــــــ [02 - Jun-2008, مساء 05:10] ـ
ومن السنّة:
1 -روى ابن ماجة في سننه عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسبعين في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعين في النار وواحدة في الجنة، والذي نفسي بيده، لتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، واثنتان وسبعين في النار"قيل يا رسول الله: من هم؟ قال:"هم الجماعة"وفي رواية:"كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة"وفي رواية:"فاعتصموا بها فاعتصموا بها".و في رواية أخرجها الترمذي وحسنها الألباني"ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
فهذا الحديث يفيد أن الحق واحد لا يتعدد إذا لو كان الحق يتعدد لما كانت الفرق المخالفة لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم متوعدة بالنار. إذ أن الله تعالى لا يعّذب بالنار من اتبع ما يرضيه واجتنب ما يسخطه ويغضبه.
2 -ما أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ اجر) . قال الإمام ابن قدامة مبينا هذا الحديث رحمه الله:"إن المجتهد يكلف إصابة الحكم، وإنما لكل مسألة حكم معين يعلمه الله، كلف بالمجتهد طلبه، فإن اجتهد فأصابه كان له أجران وغن أخطأه فله أجر على اجتهاده وهو مخطئ وإثم الخطأ محطوط عنه"ا. هـ (5)
3 -أخرج البخاري رحمه عن رسول صلى الله عليه وسلم"من رغب عن سنتي فليس مني". فهذا يفيد أن الحق واحد ولو صح أن الحق يتعدد لما كان لتحذيره من فائدة وتأمل هذا التحذير والإنكار فهو تحذير وإنكار في على الثلاثة الذين تقالّوا عبادته وتأمل حيث أنكر عليهم مع أنهم اجتهدوا وقاسوا حاله و واقعه عليه الصلاة والسلام وقد غفر له ما تقدم من ذنبه على حالهم و واقعهم الذي لا يأمن أمثالهم من عذاب الله، فرأيهم الذي صدَروا به إنما هو بعد نظر و تأمل في نص شرعي. ومع ذلك لم يقرّهم الرسول صلى الله عليه وسلم بحجّة أن الحق يتعدد وما أنتم عليه حق وما أنا عليه حق. بل حكم الله واحد وهو ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الشرع.
وغير ذلك من الأدلة.
قال الإمام ابن قدامة:"الحق واحد في قول واحد من المجتهدين ومن عداه مخطئ سواءً كان في فروع الدين أو أصوله"ا. هـ (6) وقال العلامة الشوكاني (7) رحمه الله معلقا على حديث (إذا اجتهد الحاكم ... ) :"فهذا الحديث يفيدك أن الحق واحد، وأن بعض المجتهدين يوافقه، فيقال له مصيب، ويستحق أجرين، وبعض المجتهدين يخالفه، ويقال له مخطئ، واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبًا، وإطلاق اسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر"إلى أن قال:"فالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة أن الحق واحد"ا. هـ
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (8) ان الحق في حقيقة الحال واحد لا يتعدد ولكن لذلك تفصيل وملخص ذلك: أن المجتهد في الأمور الاجتهادية الظنّية إن أخطأ حكم الله فهو مصيب من جهة ومخطئ من جهة أخرى وله اجر على اجتهاده كما نص عليه الحديث. فهو مصيب باجتهاده وبذله الوسع في الوصول للحكم الشرعي؛ وذلك لكونه بذل ما أمر الله به فالحكم الذي وصل إليه باجتهاده وجب عليه فعله شرعًا ولا يأثم بعدم موافقة حكم الله وذلك لاجتهاده، وإن كان هو في نفس الأمر مخطئ في إصابة حكم الله الذي يعلمه الله والذي هو واحد في قول المجتهدين لا يتعدد. ومتى علم وتبين له من الشرع ما ينقض اجتهاده أثم بالإعراض عنه وعدم العمل به. وكذا بين الشوكاني رحمه الله في كتابه إرشاد الفحول (9) في معرض ردّه على القائلين بتعدد الحق متمسكين بحديث (لا يصلين أحدكم إلا في بني قريظة) .
(يُتْبَعُ)