فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقال الإمام مالك: لم يكن شيء من هذه الأهواء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، لأن البدع ظهرت في آخر عهد الصحابة رضي الله عنهم.
كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" (1) .
فمن عاش من الصحابة، ومن طال عمره من الصحابة رضي الله عنهم رأى مصداق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من ظهور البدع، وظهور الاختلاف وظور الفرق.
كذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة سوف تفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة ناجية تصير إلى جنة عالية قطوفها دانية، وبواقيها عادية، تصير إلى الهاوية والنار الحامية، فقال صلى الله عليه وسلم:"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتي وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة، قالوا: من هم يا رسول الله؟، قال: هم الجماعة" (2) .
وليس المقصود بالجماعة أي جماعة في أي مكان، لأن الجماعات تختلف بإختلاف الأمكنة واختلاف الأزمنة ففي بعض الأماكن ينتشر مذهب الشيعة، وفي بعض الأماكن ينتشر فكر الصوفية، وفي بعضها فكر الأشاعرة، فهل يقصد النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يكون مع أي جماعة في أي بلد وفي أي زمان؟!.
ليس هذا هو المقصود قطعًا، وأولى ما فسر به الحديث، ولهذا الحديث رواية أخرى رواها الحاكم وهي بسند حسن لغيره، قال:"هم من كانوا على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"فيكون المقصود بالجماعة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى الجماعة التي هى على شاكلة الجماعة الأولى، التي كانت على فكر واحد، وعلى عقيدة واحدة، وعلى فهم صحيح للكتاب والسنة.
فالجماعة من كان على فكر الجماعة الأولى، وعلى معتقد الجماعة الأولى، ولذلك لما سُئلَ الإمام ابن المُبارك -رحمة الله عليه- عن الجماعة قال: أبو بكر وعمر، أي الجماعة أبو بكر وعمر، فقيل له: قد مات أبو بكر وعمر، فقال: فلان وفلان، فقيل: قد مات فلان وفلان، فقال أبو حمزة السكري جماعة، أي أن المقصود بالجماعة من كان على شاكلة الجماعة الأولى أي من كان على شاكلة الصحابة رضي الله عنهم، لأن الله تعالى جعل معتقد الصحابة هو المقياس للعقيدة الصحيحة فقال عز وجل: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ} (137) سورة البقرة.
فيجب على كل مسلم في كل زمان وفي كل مكان أن تكون عقيدته مطابقة لعقيدة الصحابة رضي الله عنهم، وأن يكون فهمه للكتاب والسنة على فهم الصحابة رضي الله عنهم.
فالذي دعا إلى ظهور اسم السلفية، أو أهل السنة والجماعة، أو أنصار السنة، أو أهل الحديث، أو أهل الأثر، ما حدث من افتراق الأمة، ومن ظهور البدع التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم كالخوارج، والمعتزلة، والجمهية، والقدرية، والصوفية، والشيعة، وغيرها من فرق الضلالة، فلما تفرقت الأمة، ولما اختلف المناهج، واختلف الأهواء، والآراء، والعقائد، كان لابد لأهل الحق أن يتميزوا باسم، وأن يتميزوا بمنهج.
فالذين يتميزون بمنهج أهل السنة، أو السلفيون، أو أهل الأثر، أو أهل الحديث ... هم الذين يحافظون على معتقد الصحابة رضي الله عنهم، ويحافظون على منهج السلف، وفهم السلف للكتاب والسنة.
فالدعوة السلفية ليست فهم الإسلام بفهم شخص من الناس، ليست فهم شيخ الإسلام ابن تيمية، أو فهم العلامة ابن باز، أو الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، أو الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، أو الشيخ محمد بن إسماعيل، ولكن المقصود بالسلفية: المُحافظة على معتقد السلف، وعلى فهم السلف للكتاب والسنة، وعلى منهج السلف رضي الله عنهم.
فالدعوة السلفية: هي المحافظة على ما مضى عليه سلف الأمة رضي الله عنهم، ولا شك أنها الدعوة للتمسك بالسنة التي أمرنا بالتمسك بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (3) .
إن السنة ليست مجرد إعفاء اللحية، أو الثوب القصير مثلًا، وليست بعض الأقوال والأفعال، ولكن السنة تشمل ما مضى عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم.
(يُتْبَعُ)