فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 28557

وقال النووي الشافعي:"اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورًا بالصلاح أو غيره"16

وقال البُهوتي الحنبلي:"ويحرم اتخاذ المسجد على القبر وبينها .. وتتعين إزالتها إذا وضعت على القبور أو بينها"17. ونصوص الحنابلة في هذا كثيرة.

وقد جاءت الأدلة الصحيحة الصريحة متضافرة على تحريم بناء المساجد على القبور ومنها:

أولًا: عن عائشة وعبدالله بن عباس رضي الله عنهم قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصه على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه فقال -وهو كذلك-:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"يحذر مما صنعوا 18

ثانيًا: ما روته عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"لولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا 19

ثالثًا: ما روته عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة -رضي الله عنهما- ذكرتا كنسية رأيتها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تيك الصورة فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"20

رابعًا: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"21

خامسًا: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"22

سادسًا: ما رواه جندب بن عبدالله البجلي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم -قبل أن يموت بخمس- وهو يقول:"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد. إني أنهاكم عن ذلك"23

سابعًا: ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"24

ثامنًا: عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"25

والأحاديث في هذا الباب كثيرة وهي تدل دلالة واضحة وصريحة على تحريم بناء المساجد على القبور.

وقد نقل عن بعض السلف أنهم لم يكرهوا الصلاة في المقبرة، والذي يظهر لي أن أكثرهم إنما أجازوا وصححوا الصلاة على الجنازة في المقبرة دون الصلاة ذات الركوع والسجود، ولذلك تجدهم استدلوا على قولهم بما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه:"أن امرأة سوداء (أو شابًا) كانت تقم المسجد ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنها (أو عنه) فقالوا: مات. قال:"أفلا كنتم آذنتموني"، قال: فكأنهم صغروا أمرها (أو أمره) فقال:"دلوني على قبرها"فدلوه. فصلى عليها. ثم قال:"إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم"26 واللفظ لمسلم."

وبما رواه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبر رطب فصلى عليه وصفّوا خلفه وكبر أربعًا"27 وهذا لفظ مسلم.

وبما رواه مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر 28

والصلاة على الميت تختلف عن الصلوات الخمس المفروضة، فليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما هي دعاء للميت.

قال الشنقيطي -رحمه الله-:"هي من جنس الدعاء للأموات عند المرور بالقبور، ولا يفيد شيء من تلك الأدلة على جواز صلاة الفريضة أو النافلة التي هي صلاة ذات ركوع وسجود، ويؤيده تحذير عمر لأنس من الصلاة عند القبر"29

وقد روى البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنس بن مالك رضي الله عنه يصلي عند قبر فقال: القبر القبر!!"30. وحتى من نقل عنه جواز الصلاة في المقابر لم ينقل عنه أنه أجاز بناء المساجد على القبور، وليست هذه المسألة عندهم هي مسألة الصلاة في المقبرة العامة، فإن منهم من يعلل النهي عنها بنجاسة التراب، ومنهم من يعلله بالتشبه بالمشركين."

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت