وربما بدا الأمر للمراقب أن الجمعية معنية بالاهتمام بالعمل الخيري والدعوي ودعم الأنشطة ذات التوجّه السلفي الخالص، بعيدًا عن البُعد الحركي، والنشاط السياسي، غير أن الأيام اللاحقة كشفت أن ذلك لم يخرج عن دائرة اهتماماتها، وإن بدا بدرجة ثانوية، كما كشفت مدى التفاعل الذي تجاوز حدود العمل الخيري والدعوي إلى الحركي والتنظيمي، على نحو ما ستشير إليه هذه القراءة لاحقًا. وبعد مرور مرحلة ليست بالطويلة حدث خلاف داخلي في إطار الجمعية، سببه- حسب تصريح أحد قيادات جمعية الإحسان لصاحب هذه السطور- َرفْض بعض الإملاءات الخارجية المفروضة من بعض الجمعيات المؤثّرة في الخليج، الهادفة إلى تعزيز التبعية للجمعية في بعض الاجتهادات غير المقنعة لقطاع واسع من قيادات جمعية الحكمة وأفرادها، مما أسهم في تحويل نشاط جمعية ناشئة جديدة بحضرموت تسمى جمعية الإحسان الخيرية (تأسست في عام 1413هـ الموافق 1992م في مدينة المكلأ بمحافظة حضرموت) إلى إطار عام يشمل كل من لا يؤمن بمسار جمعية الحكمة، تلك التي غدت ذات اجتهادات تتسم بالمرونة السياسية، لاسيما فيما يسمّى باللعبة الديمقراطية ومفرزاتها، تبعًا لاتجاه جمعية إحياء التراث بالكويت- كما سيرد التفصيل-، وفكر الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، المشتهر بمرونته السياسية اللافتة في هذا الإطار. ومع أن جمعية الإحسان كانت تعنى في بداية التأسيس بشئون محافظة حضرموت فحسب، ويقال إنها كانت قد اتفقت مع جمعية الحكمة- مع بداية ظهور بوادر الخلاف- على أن تظل غير قابلة للتنافس مع جمعية الحكمة؛ إلا أن ذلك أمر لم يتمّ تقيّد جمعية الحكمة به عمليًا، حيث أسست لها فرعًا هنالك، مما اضطّر جمعية الإحسان لتمتد إلى ربوع اليمن، حتى بلغ عدد الفروع والمكاتب الفرعية (26) فرعًا ومكتبًا.
وتميزت بعد ذلك كل جمعية برموز وأنشطة ومؤسسات. غير أننا في هذه السطور سنخصص الحديث لجمعية الحكمة اليمانية من زاوية التطوّر الفكري والسياسي، ولعلّ حديثًا آخر تُخص به جمعية الإحسان- بعون الله-.
النشأة:
أشار الكاتب في مستهل هذه القراءة إلى أن جمعية الحكمة هي أول إطار مؤسسي معلن للسلفية في اليمن. وبالنظر إلى زمن التأسيس فإنه جاء بعيد إعلان الوحدة اليمنية بين شطري البلاد، وهي الفترة التي شهدت إعلان العديد من الجمعيات والمراكز والجماعات، ذات التوجهات المتباينة، وميلاد عدد آخر من الأحزاب والتنظيمات، التي تلاشت عمليًا باستثناء الأحزاب التقليدية العربية. أما جمعية الحكمة فقد أعلنت عن نفسها في ذلك الحين، على أساس أن مركزها الرئيس هو مدينة تعز (256كم) إلى الجنوب من العاصمة صنعاء؛ مع فتح فروع لها في بعض عواصم المحافظات، ولاسيما في مدينة إب، وحضرموت والعاصمة صنعاء. وقد كان أبرز المؤسسين الأوائل:عمر عبده قايد، وعبد القادر الشيباني، ومحمد المهدي، وعبد العزيز الدبعي، وأحمد المعلّم، وأحمد معوضة.
والجمعية -في الواقع- امتداد عملي لجمعية إحياء التراث بالكويت في ذلك الحين. ومن القرائن الدالة على ذلك: إنشاء مجلة (الفرقان) الشهرية التابعة لجمعية الحكمة في مدينة إب، في إشارة صريحة إلى تبعية فكرية وعملية لمجلة (الفرقان) الصادرة عن جمعية إحياء التراث بالكويت. و (الفرقان) اليمنية، -وإن توقفت بعد فترة غير طويلة من صدورها-؛ فإنما كان ذلك اكتفاء بالمجلة الأم (المنتدى) ، ووفقًا لحسابات داخلية في الجمعية. غير أن هذا العنوان (المنتدى) قد يبدو مشكلًا؛ إذ إنه لا يستقيم مع القول بأن تبعية جمعية الحكمة فكريًا وعمليًا لجمعية إحياء التراث بالكويت يشير إلى اتجاه آخر يمثل (جمعية الإحسان) ، تلك التي تتبع في فكرها الخاص والعملي (المنتدى الإسلامي) في لندن، الذي يصدر مجلة (البيان) الشهرية، وهي المؤسسة التي تصنّف جمعية الإحسان عليها من الوجهة الفكرية والعملية ذاتيهما. والحق أن التسمية بـ (المنتدى) ترجع إلى زمن تأسيس الجمعية عام 1990م، وصدور العدد الأول منها في يوليو 1991م، حين كانت الدعوة السلفية المتمثلة في الجمعيتين جماعة واحدة غير متمايزة، بيد أن التسمية بـ (الفرقان) جاءت بعد ذلك بسنوات، أي بعد أن حدث الانقسام بين الجمعيتين.
(يُتْبَعُ)