غير أن ذلك الموقف اختلف بعد ذلك، إذ تحوّل الإنكار في انتخابات عام 1993م إلى موقف الصمت العام في انتخابات 1997م، وهو ما يومئ بالرضا الضمني، الذي ينمّ عن مراجعة مقدّرة للمسار. بل لقد بلغ الأمر في محافظة حضرموت درجة من التعاون الظاهر مع حزب التجمع اليمني للإصلاح،تمثل في الدفع بشباب الجمعية ومناصريها إلى دعم مرشحيهم. وكان لذلك دوره الإيجابي الذي لا ينكر، في تحقيق نصر مقدّر لمرشحي الإصلاح هنالك. وكذا تكرّر الأمر في انتخابات 2003م.
إن المراجعة الأدبية الشجاعة أمر يحمد عليه صاحبه، ومن المكابرة بمكان أن تأخذ بعض المراجعين العزّة بالخطأ، ليتحوّل من موقع التقدّم على أكثر من صعيد، إلى المربع الأول، حيث النكوص والتراجع السلبي. إذ يخيّل إليه أنّ في ذلك تشفّيًا وتسجيلًا سلبيًا من قِبل الخصوم والمتربّصين.
ولِم لا يقتفي مَن يعاني مِن هذا الهاجس غير المبرّر منهج أحد أبرز الوجوه الفكرية المستنيرة في هذه المدرسة -وهو الشيخ عمّار بن ناشر العريقي- الذي يُعلن في غير ما مواربة أن ثمّة مراجعات حقيقية في إطار المدرسة السلفية -بوجه خاص-، إذ يورد في إطار موضوع معمّق وسمه بـ (المنهج المثل لتجديد الخطاب الدعوي: فقه المراجعات) جملة من المراجعات التي تمّت ومنها قوله:"كما تشهد الدعوة مراجعات في الحدّ من الاعتماد على الإمكانات المادية في كثير من مجالات الدعوة والتربية، كما خفّت حدّة قضية المجالس النيابية، وقرّر جواز المشاركة فيها، أو وجوبها علماء مصر والحجاز ونجد والشام واليمن، إلا القليل وهي مسألة اجتهادية" (29) .
وكان الشيخ العريقي قد صرّح بأكثر من ذلك في عدد سابق من (المنتدى) ، إذ قال- في معرض مناقشته لظاهرة السطحية التي تهدّد مسيرة الدعوة ومؤسساتها وبعد أن أشاد بتجربة حزب العدالة والتنمية بتركيا عادّا لاجتهاداتها عين العقل والحكمة، وموافقة لأصول الشرع وقواعده-:"واليوم يعترض بعض الدعاة مشاركة بعض الإسلاميين في مجلس النواب، بحجّة أن هذا إقرار بالديمقراطية الكفرية! ورأيي أن في بعض الديمقراطية كثيرًا من الإيجابيات التي لا تخالف الشريعة من ناحية، ثمّ هي خير من الديكتاتورية الكفرية، التي تقضي حتى على مصالح الدين والدعوة ..." (30) .
ومع تأكيد التقدير لِنَفَس المراجعات الداخلية في مسار الجمعية؛ فلا ينبغي إنكار دور بعض المؤثّرات الخارجية في إطار العلاقة الوثيقة التي تربط بين جمعية الحكمة في اليمن، وجمعية إحياء التراث في الكويت، مع الإشارة إلى علاقة المتغيّر التابع بالمتغيّر المستقل. وقد يغدو من قبيل الاستقراء التام أو شبهه استخلاص أن ما يمسي في جمعية إحياء التراث بالكويت يصبح في جمعية الحكمة باليمن! ولعل لبعض ما ورد في حوار الشيخ ناظم المسباح عضو مجلس إدارة جمعية إحياء التراث الكويتية مدلوله في هذا السياق، حيث أورد في حواره مع مجلة (المنتدى) المراحل التي مرّت بها جمعيته. فبعد أن أشار إلى مراحل التطوّر في مسار العمل السلفي هناك، انتقل إلى تجربته في الاشتراك في عدد من تجارب العمل النقابي، على مستويات عِدّة أردف ذلك ثمّ أردف بالقول:"بعد ذلك توسّع العمل فدخلنا في المجلس النيابي (مجلس الأمة) ، والحمد لله حقّقنا أمورًا عظيمة ..." (31)
الهوامش:
(1) مجلة الفرقان، العدد (14) ،شعبان 1418هـ- ديسمبر 1997م، ص 32
(2) المرجع السابق، ص32.
(3) انظر موقع جمعية الحكمة يمانية: al-hikma-yecom
(4) نفسه، ص 30.
(5) مجلة المنتدى، العدد الأول، ذو الحجة، 1411هـ- يوليو 1991، ص 4.
(6) راجع - على سبيل المثال- الزيدية في اليمن: حوار مفتوح: مقابلة علمية و فكرية مع الشيخ محمد بن محمد المهدي أجراها أنور الخضري، 1429هـ- 2008م، ط أولى، صنعاء: مركز الكلمة الطيبة للبحوث والدراسات العلمية، ص 31 - 35،78، وحواره بتاريخ 4\ 3\1429هـ مع صحيفة البلاغ (اليمنية) المنشور في موقع الشيخ http://www.almhdy.com وقد أجراها: بسّام قائد، وانظر كذلك:محمد بن محمد المهدي (تقديم) ، نظرة الإمامية الاثنا عشرية إلى الزيدية بين حقيقة الأمس وتقية اليوم، محمّد الخضر،1423هـ، إب: مركز الإيمان الخيري للشريط الإسلامي، ص 23،39.
(يُتْبَعُ)