فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قيل لي: بأن الانطلاق من نقطة ثابتة بشكل مائل عن خط عامودي مستقيم يشترك في ذات النقطة الثابتة يؤدي كلما تحرك للأعلى إلى البعد عن هذا الخط العامودي المستقيم، وهو أمر صحيح هندسيا، إلا أنني كنت أجادل في صحته في عالم الأفكار، لأن الإشكال يكمن في النقطة الثابتة التي نحتاج لتحديدها أولا فمتى ما اتفقنا عليها ربما يكون السير في طريق مائل يبعد عن الاستقامة، مع أنه في حقيقته تصوير بسيط، ربما لا يصدق دائما على عالم الأفكار خصوصا تلك التي ترتبط بالذهنيات، لأن سيولة الذهن أكثر من ثبوت ماصدقات الخارج.
ومع ذلك فالمشاهد في مزايدات قومنا ممن يدعون التنوير باتت تتدرج شيئا فشيئا حتى وصلت لخلط عجيب وتناقض غريب، بات تأويل الإسلام وادعاء المحافظة عليه موجودة حتى عند الوصول إلى نقطة لا يمكن أن يتحمله تأويل الإسلام (بما يصدق عليه مسمى تحريف الإسلام) ، فلا زالت معامل التعرية من الإسلام تتحرك وتعمل بشكل لا منهجي هدفه الخروج منه، لذا يصدق عليه وصف المفكر والمؤرخ النقدي الدكتور محمد الطالبي في كتابه (ليطمئن قلبي) بتيار الانسلاخ من الإسلام، وهو يستند إلى وصف قرآني كريم:
{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ* سَاء مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ}
فالوصف بالانسلاخ يعني انفعالًا إراديًا بعد علم ومعرفة وقيام حجة بدلالة الآيات على الغيب، فالإيمان بالغيب هو معين دلالة الآيات الكونية والشرعية، لأن الآية علامة ودليل على الغيب الذي منه الله سبحانه وتعالى، والذي منه سائر أركان الإيمان الستة، بل ومنه كل الشعائر التعبدية المحضة، بل يدخل فيه قضية العقل نفسه لتحوله من خلال إيمانه القطعي بوجود الغيب واستحالة شهوده لكل شيء إلى قضية إيمانية فالنسبية التي يؤمن بها العقل هي في حد ذاتها باب الإيمان وأساسه، إلا أن هؤلاء الذين تدرجوا في ما يسمونه بالعقلانية والتنوير إلى درجة الوثوقية المطلقة ومحاكمة العقائد والإيمانيات والدعوى بنسبويتها والقول بتاريخية القرآن ليفقد القرآن قدسيته ودلالاته الغيبية.
وعندما يقول البعض بما يفيد استواء الأديان وكينونتها في درجة واحدة كما في الانثروبولوجيا العلمانية ذات الأصل المسيحي الحلولي ويصبح مفهوم الخير والشر مسألة نسبية محضة يحكمها القوي كما يرى نيتشة، فحينها لا يمكن القول بانتماء هذا التفسير لدائرة الإسلام كما يريد أن يثبت البعض.
إن إذابة مفهوم الإسلام بالشكل الملحوظ في الصحافة المقروءة أو الإلكترونية تقتضي في النهاية إلى عدم إسلام أساسا، يكون بلا لون ولا طعم ولا رائحة، ولا هناك إذا مسيحية ولا يهودية ولا بوذية فالكل مؤمن، ولا هناك ميزة لفكرة الإسلام على غيرها من الأفكار الدينية، وذلك كله بحذلقة تعتمد على القراءة الفلولوجية السطحية السريعة بوجود تشابهات عامة بين الديانات لا تنفذ إلى الأعماق.
إن فكرة عدم تميز الإسلام بميزة عن غيره من الأديان مما أصبح ترتيلة مشعوذي من يدعون التنوير هذه الأيام هو عين الجهل بحقائق الأديان، إلا عندما يكون المنهج المستخدم هو النسبية المحضة أو الإطلاقية المحضة، فعند من يستخدم هذين المنهجين لا يمكن لنا معالجة الفكرة معه لأنه يحتاج معالجة المنهج أولا، فمن يقول بالنسبوية المحضة، فهو لا يرى أساسا لميزة دين على آخر بل لا يرى ميزة للخير عن الشر، ولا للحق على الباطل، بل هي رؤى لا تعبر عنده إلا على أصحابها أو على فقط لسان أصحابها، ومن يقول بالإطلاقية المحضة فهو يرى أن الأديان كلها شيء واحد وهي تعارض الإطلاقية سواء كانت مثالية أو وضعية لأنه لا يؤمن بشيء سابق خارج عن إطار الإنسان، لأن الإنسان عند الفريقين هو مقياس الوجود لا غير.
وعليه كانت مشكاة المواقف الجحودية الإطلاقية والنسبوية المحضة واحدة في الاهتمام بمذاهب الاتحاد والحلول من متصوفة وباطنية وشعراء ممن ملأوا تراثنا الإسلامي، لأنها التيارات القديمة تتناسب مع الرؤى الحديثة في موضوع إطلاقية إدراك الإنسان معيارا للوجود على مستوى الكل (الإطلاقية) أو على مستوى الجزء (النسبوية) ، هذه التيارات لا ترى هناك ميزة للإسلام عن غيره من الأديان، فلا شيء هو غيب ولا شيء من خارج الإنسان، يمكن أن يكون موجودا في ظل إمكانية كشف الإنسان له؟! حقيقة هذه الدعاوى حول وحدة الأديان جهل محض وظلم حقيقي عند دراسة الأديان ومقارنتها، لذا سؤال المنهج والتفلسف فيه هو المهم لمن يتبنى رأيه بصدق وجدية حتى ولو كان موقفه في النهاية غير موافَقٍ عليه.
الرابط:
(يُتْبَعُ)