فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فنقول لهم: إذا فسرتم المحبة بالإرادة لزمكم في إثبات الإرادة نظير ما يلزمكم في إثبات المحبة، لأن للمخلوق إرادة، فإثبات الإرادة لله تعالى يستلزم التشبيه على قاعدتكم، وإذا فسرتموها بالثواب، فالثواب مخلوق مفعول لا يقوم إلا بخالق فاعل، والفاعل لابد له من إرادة الفعل، وإثبات الإرادة مستلزم للتشبيه على قاعدتكم.
ثم نقول: إثباتكم إرادة الثواب أو الثواب نفسه مستلزم لمحبة العمل المثاب عليه، ولولا محبة العمل ما أثيب فاعله، فصار تأويلكم مستلزمًا لما نفيتم؛ فإن أثبتموه على الوجه المماثل للمخلوق ففي التمثيل وقعتم، وإن أثبتموه على الوجه المختص بالله واللائق به أصبتم ولزمكم إثبات جميع الصفات على هذا الوجه.
الخامس: أن قولهم فيما نفوه:"إن إثباته يستلزم التشبيه"ممنوع لأن الاشتراك في الأسماء والصفات لا يستلزم تماثل المسميات والموصوفات كما تقرر سابقًا، ثم إنه منقوض بما أثبتوه من صفات الله، فإنهم يثبتون لله تعالى الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، مع أن المخلوق متصف بذلك، فإثباتهم هذه الصفات لله تعالى مع اتصاف المخلوق بها مستلزم للتشبيه على قاعدتهم.
فإن قالوا: إننا نثبت هذه الصفات لله تعالى على وجه يختص به ولا يشبه ما ثبت للمخلوق منها.
قلنا: هذا جواب حسن سديد، فلماذا لا تقولون به فيما نفيتموه فتثبتوه لله على وجه يختص به، ولا يشبه ما ثبت للمخلوق منه؟!
فإن قالوا: ما أثبتناه فقد دل العقل على ثبوته فلزم إثباته.
قلنا: عن هذا ثلاثة أجوبة:
أحدها: أنه لا يصح الاعتماد على العقل في هذا الباب كما سبق.
الثاني: أنه يمكن إثبات ما نفيتموه بدليل عقلي يكون في بعض المواضع أوضح من أدلتكم فيما أثبتموه.
مثال ذلك: الرحمة التي أثبتها الله تعالى لنفسه في قوله: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) (الكهف: 58) . وقوله: (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس: 107) .فإنه يمكن إثباتها بالعقل كما دل عليها السمع.
فيقال: الإحسان إلى الخلق بما ينفعهم ويدفع عنهم الضرر يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على الإرادة، بل هو أبين وأوضح لظهوره لكل أحد.
الثالث: أن نقول: على فرض أن العقل لا يدل على ما نفيتموه فإن عدم دلالته عليه لا يستلزم انتفاء في نفس الأمر، لأن انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول، إذ قد يثبت بدليل آخر، فإذا قدرنا أن الدليل العقلي لا يثبته فإن الدليل السمعي قد أثبته، وحينئذ يجب إثباته بالدليل القائم السالم عن المعارض المقاوم.
فإن قالوا: بل العقل يدل على انتفاء ذلك لأن إثباته يستلزم التشبيه، والعقل يدل على انتفاء التشبيه.
قلنا: إن كان إثباته يستلزم التشبيه فإن إثبات ما أثبتموه يستلزم التشبيه أيضًا، فإن منعتم ذلك لزمكم منعه فيما نفيتموه إذ لا فرق، وحينئذ إما أن تقولوا بالإثبات في الجميع فتوافقوا السلف، وإما أن تقولوا بالنفي في الجميع فتوافقوا المعتزلة ومن ضاهاهم، وأما التفريق فتناقض ظاهر.
والقول الفصل المطرد السالم من التناقض ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها من إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، وإجراء النصوص على ظاهرها على الوجه اللائق بالله عز وجل، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. ويتبين هذا بأصلين، ومثلين، وخاتمة:
فأما الأصلان:
فأحدهما: أن يقال لمن يثبت بعض الصفات دون بعض: القول في بعض الصفات كالقول في بعض. أي أن من أثبت شيئًا مما أثبته الله لنفسه من الصفات ألزم بإثبات الباقي، ومن نفى شيئًا منه ألزم بنفي ما أثبته وإلا كان متناقضًا.
1 -مثال ذلك: إذا كان المخاطب يثبت لله تعالى حقيقة الإرادة، وينفي حقيقة الغضب ويفسره: إما بإرادة الانتقام، وإما بالانتقام نفسه.
فيقال له: لا فرق بين ما أثبته من حقيقة الإرادة وما نفيته من حقيقة الغضب، فإن كان إثبات حقيقة الغضب يستلزم التمثيل، فإثبات حقيقة الإرادة يستلزمه أيضًا.
وإن كان إثبات حقيقة الإرادة لا يستلزمه، فإثبات الغضب لا يستلزمه أيضًا، لأن القول في أحدهما كالقول في الآخر، وعلى هذا يلزمك إثبات الجميع، أو نفي الجميع.
2 -فإن قال: الإرادة التي أثبتها لا تستلزم التمثيل، لأنني أعني بها إرادة تليق بالله عز وجل لا تماثل إرادة المخلوق.
(يُتْبَعُ)