فهرس الكتاب

الصفحة 9133 من 28557

-ولدت هذه الوسائل في بيئات ومجتمعات تختلف عن مجتمعاتنا اختلافا كبيرًا، وأيضا تختلف في قوى التأثير في المجتمع، ولا شك أن لها أثرًا كبيرًا عندهم، لكن في مجتمعاتنا لا تزال هذه الوسائل إما منعدمة الأثر أو ذات أثر ضعيف وقتي لا يستمر، وإما ذات أثر عكسي، وهذا هو الأغلب، خصوصًًا في حق الإسلاميين المعارضين، ولا يغرنك ما يُسمح به من بعض هذه الوسائل ويُظهر للناس أنه قد أثَّر إيجابيا؛ فإن عامة ما كان كذلك يكون بتنسيق وترتيب حسب أجندة مصالح مشتركة، وليس من معارضة حقيقية.

ونحن قد رأينا عبر مسيرتنا أن هذه الوسائل يختلط فيها الحابل بالنابل، ويحرك الدهماء فيها من لا يرتضيه الإسلاميون، ويستغلها أعداؤهم ممن لا يرعى حرمة مسلم في دم أو مال، ويدخل فيها أهل الإفساد والغصب والسرقة، ويهتف فيها أهل الزندقة والنفاق بالشعارات المنكرة التي ينساق وراءها الناس تحت ضغط العاطفة وسلطان الجماهير الحاشدة، التي لا تنضبط بضوابط الشرع فيترتب عليها من الفساد والفتن ما لا يقترب من المصالح فضلا عن عدم وجود مصلحة أصلا. وهناك مهن لا يجوز لأهلها الاتفاق على ترك العمل؛ لأن في ذلك هلاكا لأرواح المسلمين وأموالهم، فلو أضرب الأطباء أو رجال الإطفاء مثلا لما وجد المضطر من يغيثه.

ونحن نرى أن دعوة الناس للعودة إلى ربهم، واستغلال هذه الأزمات لتذكير الناس بأثر المعاصي والذنوب ووجوب التوبة إلى الله، وتوسيع دائرة الالتزام وحقيقته، وتوضيح الارتباط بين أعمال الناس وسلوكهم وبين أرزاقهم، أنفع للمسلمين من هذه الوسائل.

الإسلاميون والسياسة ... مكاسب زائفة

-شهدت العديد من دول العالم الإسلامي صعودًا واضحًا للإسلاميين إلى سدة الحكم، كما هو الحال في تركيا، وماليزيا، والمغرب، وباكستان، ألا تدعوكم هذه التجارب، وما حققته من نتائج من خلال صناديق الاقتراع إلى تجريب آليات الديمقراطية المتاحة، رجاء تحقيق المصلحة العامة؟

-أولًا: لي تحفظ على تسمية ما حققته الأحزاب التي وصلت أو شاركت أو حتى حققت بعض المكاسب في الانتخابات أن ذلك يعد وصولا للإسلاميين إلى سدة الحكم، هذه الأحزاب أو الجماعات لم تحقق ما حققته إلا بفقد الكثير من هويتها الإسلامية والتضحية بها، إن شرع الله -سبحانه- وكتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- لا تقبل أن تكون موضوعا لأخذ آراء البشر عليه لأن في قبول ذلك قدحًا في إسلام وإيمان من قبله.

وموازين المصلحة والمفسدة لا بد أن تكون بميزان الشريعة، ونحن والمسلمون جميعًا نعلم أن مفسدة الكفر أعظم المفاسد؛ فلا يجوز لمسلم أن يوافق على الكفر والشرك، أو يتكلم به لتحقيق مصلحة، بل لا يجوز ذلك إلا عند الإكراه المعتبر شرعًا، قال -تعالى-: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106) .

فمن يقول للعالم منهم مثلا:"إن الإسلام لا يناقض العلمانية"، مع أن العلمانية تقول بفصل الدين عن السياسة، وإبعاد الكتاب والسنة عن المرجعية في التشريع، وقبول نتائج صناديق الاقتراع ولو كانت بإلغاء الشريعة كمصدر للتشريع، أو دين للدولة وكذا ... ولو جاءت برئيس كافر أو زنديق أو شيوعي أو غير ذلك، فهذا بلا شك يزن المصلحة والمفسدة بميزان غير ميزان الشرع. رغم أن من فعل ذلك ليس مرضيا عنه بل ولا حتى يقنن وجوده في اللعبة السياسية والأمثلة في كثير من البلدان واضحة.

أما مشاركتنا نحن في هذه اللعبة السياسية فإذا كان هذا حال من عنده استعداد للتنازل، فما بالك بمن يقدم شرطًا مسبقًا وهو عدم التنازل وعدم دفع الضريبة الجبرية؛ هل يسمح له بالمشاركة وفق ضمانات حقيقة بقطع الشوط الديمقراطي حتى نهايته؟!

وعلى الرغم من أن لكل بلد خصوصياته، فإن هناك قاسمًا مشتركًا بين كل البلاد التي ذكرت وهي أنه لا يسمح للإسلاميين فيها بخوض الانتخابات، واستخدام أدوات الديمقراطية المزعومة إلا بعد تقديم ضريبة ذلك مسبقًا، وتقديم ضمان حقيقي لإتمام الصفقة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت