فهرس الكتاب

الصفحة 9188 من 28557

إنَّ كل الأمَّة بأشكالها وأنواعها تعلم ضرورة الرجوع إلى الله، وأهمية التوبة لديه، بل إنَّ كبارهم قادرين على صناعة موعظة رنَّانة يحدث بها الآخرين بضرورة الرجوع إلى الله والتوبة إليه.

فليس الحل بإلقاء كلمات من هذا القبيل، وإن كان ذلك من الضروري أن يقال كمقدمة للجواب، كما يخطب الخطيب يوم الجمعة بالمصلين فيذكرهم بتقوى الله في بداية خطبته، ثمَّ يذكرهم بتقوى الله، ويعقب ذلك الحديث بذكر المقصد والشاهد من خطبته للموضوع الذي قد تجهز به ليتحدث به أمام الحاضرين.

شاهد الذكر أنَّ إشكالية الاجترار والاستهلاك الفكري ينتشر وبشكل عجيب بين من يتزعمون الفكر أو يتصدون للكتابة، وصاروا في حقيقة أمرهم معزولين عن الفكر الخلاَّق والإبداع التواق لمعرفة الجديد والبحث في العقل عن صناعة التراكيب والنقد الفكري.

إنَّها عملية استهلاك فكري، وليس تقليبًا للفكر وارتحالًا بين مساحات الفكر الشاسعة لالتقاط ومضة تضيء الطريق، أو إضاءة تنير الدرب المظلم الطويل، ورسم لطريقة العودة للنهضة المرادة.

إنَّ من أكابر المشكلات التي نعاني منها ذلك الدوران في فلك واحد من الكلام والحلول والوعظ، ونظن حينها أنَّنا بهذه الكلمات سنوقظ أمجاد الأندلس بعد أن سقطت منذ عام 1492م، ولا زلنا نتأسف على ماضيها الذي طمسته ظلامات الجاهليَّة الأسبانيَّة الحديثة!

• الرأي قبل شجاعة الشجعان:

الرأي قبل شجاعة الشجعان * هو أول وهي المحل الثاني

فإذا هما اجتمعا لنفس حرة * بلغت من العلياء كل مكان

ولربما طعن الفتى أقرانه * بالرأي قبل تطاعن الأقران

لولا العقول لكان أدنى ضيغم * أدنى إلى شرف من الأزمان

هكذا قال لنا المتنبي، وقد كان صادقًا فيما قال، فإنَّ الحرب مبدؤها كلام، والمرجع في ذلك إلى الرأي الحصيف، والفكر المنيف، وكثيرًا ما يقول الناس الكلام، وتشتعل بعد تلك الكلمات الحروب والمعارك الطاحنة لأجل كلمة قيلت دون وعي أو فكر أو رأي ثاقب درس الكلمة قبل أن يخرجها من لسانه، وليس عبر فكرة متداولة او معروفة وقد تكون في حقيقتها خطأ، وما أكثر المفاهيم الشائعة في الحاضر ولكنها عارية عن الصحة تماما!

إنَّ القرار الصحيح حين يكون منطلقًا من العلم الشرعي، ووهج المعرفة المتنوعة، ودراسة التجارب المختلفة، وامتلاك أدوات الحكم الصحيح من ثقابة الرأي، وعمق الفكرة، وحصافة المنهج، فإنَّها ستكوِّن لنا موطئ قدم لكي نسير على هدى وبينة وبرهان بلا تخبط أو تعسف!

فأين رجالات الأمَّة الكبار ومن يرمزون لأنفسهم بـ: (المفكر) أو (خبير التخطيط الاستراتيجي) أو: (البروفيسور الناقد) أين هؤلاء عن تقديم خلاصة فكرهم، ونتاج تجاربهم وإهداءها لهذه الأمَّة المتعطشة.

إنَّ الكلام التقليدي قد ملَّت الناس منه، وإنَّ من التجديد أن تحيي القديم بروح جديدة، والتماس للأفكار، وتدقيق في الاستنباط لكي تكون الحقائق مشرعة مترعة أمام من يقصد طريق النجاة وما أكثرهم في عالم التيه!

أمتنا المسلمة، وإن كانت بتكوينها الحالي هشَّة ضعيفة، فإنَّ فيها ولا يزال كثير من حملة التخصصات العلمية، لكنَّ الضرورة القصوى تقضي بأن نقول إننا بحاجة إلى العقلاء الحكماء الحصفاء الذين يكونون بحق رجال أمَّة، وأدوات بناء فعليَّة، وقادة أزمات، ولا يعني ذلك أنَّ هؤلاء ليسوا موجودين، ففي الأمة خير ... ولكنَّ الأمَّة المسلمة بحاجة للمزيد والمزيد من وجود هؤلاء الذين يقربون بين وجهات نظر المسلمين، ولا يتحزبون لفئة على أخرى، ويتصرفون في أوقات الفتن بحكمة ودهاء وذكاء مع الزكاء الإيماني والهدي النبوي والمنهج الصالح لسلفنا، ويجمعون الأمَّة بكل طاقاتها من الجماعات والأحزاب والمجاهدين على الهدى ودين الحق، ويلقنونهم دروس التسامي عن الأحقاد، وخطورة أمراض النفوس، وطامة الخلافات الحادة التي تفرق بين القلوب، ويشعرونهم بخطورة الوقوع بما قال تعالى عنه: (كل حزب بما لديهم فرحون) ويقولون بالحق ويصدحون به في زمن يردد فيه الضعفاء:

خل جنبيك لرامٍِ ... وامض عنه بسلام

مت بداء الصمت ... خير لك من داء الكلام

هؤلاء العقلاء الحكماء النجباء المفكرون، هم الذين يقولون بالحق وبه يعدلون، لا ترهبهم سطوة سلطان، ولا ضغوط الجماهير، بل إنَّهم لله وفي الله وعلى الله متوكلون في حركاتهم وسكناتهم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت