فهرس الكتاب

الصفحة 927 من 28557

إن الإيمان وعمل الصالحات والإخلاص في العبادة هي الأدوات المثلى للحل الشامل وهي أدوات ليست بأيدي الحكام بل هي بين أيدينا نحن وإن كان الحكام قادرين ولو لبرهة من الزمن على الحيلولة بين شعوبهم وتلك الأدوات , فإن قدرتهم هذه ليست بالقمع والتضييق كما يظن الكثيرون لأن القمع والتضييق طالما قربا بين العبد وربه, بل بإشغالهم عن تناول هذه الأدوات أو إضلاهم الطريق إليها؟ هذا ما يستطيعه الحكام تجاه هذه الأدوات لا غير، ولو أن الشعوب آمنت بهذا وعملت له لما انشغلت عن أدوات عزتها بشئ ولاستدلت إليها دون الحاجة إلى دليل.

ظلت الشعوب حقبا من الزمن لا ترى سوى حكامها وسيلة لتحقيق ما تصبوا إليه في حياتها وكلما بعدت الأمة عن غاياتها كلما زاد سخطها على هذا الحاكم الذي لا ترى سواه سببا لشقائها وكلما تمكنت لديها هذه الرؤية كلما عظم لديها الأمل في التغيير وكيف لا وهي ترى آمالها قائمة أمامها لا يحول بينها إلا الحاكم و أعوانه، والحاكم يموت أو يقتل أما أعوانه فينقلبون أعوانا عليه.

هذه النظرة القاصرة إلى أسباب التغيير جعلت من الحكام أعداء لشعوبهم يتبارون في خنقهم ووأد نتاجهم وتكسير أيديهم، ما دامت هذه الأصوات وهذا الناتج وتلك الأيدي لا تبحث إلا عن عرض الحاكم ومكانه ورقبته.

وقد تنجح الشعوب في تغيير هذا الحاكم المتسلط لنضع مكانه آخر كان هو منها بالأمس ويعرف لا كغيره ما وعدهم به وما أرادوه لأجله لكنه يصدم بعالم جديد عليه وهو اليوم أعجز ما يكون عن التعبير عنه يتلخص في أن أمر الإصلاح الموعود أكبر من الحاكم وحده وأن هناك شركاء في عمل الإصلاح لم يعرفوا دورهم بعد.

وبالتالي لم يقوموا به , فيعود هذا الجديد ليتقمص دور سلفه من أمته.

وتعود الأمة إلى سابق عهدها مع سلفه.

لقد كان على هذه الأمة المغامرة أن تحقق شرائط التمكين الذي وعدها الله به يقودها إلى ذلك مفكروها وأهل الرأي والرشاد فيها بدلا من أن تزعم لنفسها القدرة على تحقيق ما اختص الله سبحانه وتعالى بتحقيقه , حين تقف الأمة من تفريطها في جنب الله تعالى موقف المتفرج المستسلم منشغلة عن الاستعباد له اختيارا كما هي مستعبدة له اضطرارا , فإنها لا تستحق وعد الله لها بإبرام أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية.

وحين ينصرف الحكام عن واجبهم في تمكين الإنسان من إعمار الأرض بالإصلاح كما كلفه الله فإنهم أيضا ليسوا أهلا للتمكين والاستخلاف وسيستبدل الله بهم غيرهم {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الأحزاب62

قد ينظر من لا يعطي النص القرآني حقه من التأمل إلى ما سلف من القول على أنه تشريع للسكوت عن الظلم بأفكار جبرية تستخدم القضاء والقدر لتخدير الناس لصالح حكام غلاظ الأكباد ينهضون على أجداث شعوب طالما خدرها القضاء والقدر والقسمة والنصيب حتى ألقي بها خارج الحلبة كسيرة منهزمة ليس منها ترمق حلبة الأقوياء و تصفق لهذا تارة ولذاك أخرى.

كلام قيل كثيرا ومازال يقال:

والحق أن السكوت عن الظلم لا يمكن أن يشرع , لكن الاحتجاج عليه لا يمكن أن يكون له طريقة واحدة وحسب , ونحن لا نطالب هنا سوى بالنتأمل في أكثر الطرق نجاحا لرفع الظلم والتمكين في الأرض وأقلها تطبيقا في العالم الإسلامي حاضرا وتاريخا , ألا وهي تحقيق شرائط التمكين التي أخبر الله بها.

وهذه هي المرحلة الأولى والضرورية لتطبيق الشريعة وبإغفالها لن يتحقق ما بعدها.

لقد دأبت الجماعات الإسلامية في طول وطن المسلمين وعرضه منذ أكثر من خمسين عاما على المطالبة بالحكم والسعي لذلك بمختلف أشكال السعي ولم يجد أحدا منهم سوى الفشل بمختلف أشكاله.

ولا أجد لذلك سببا إلا أن الأمة الإسلامية التي تسعى الجماعات الإسلامية إلى تطبيق أحكام الشريعة عليها لم تطبق بعد أحكام الشريعة في أنفسها ومن لا يطبق الشريعة في نفسه لا يمكن أن يرضى عمليا بتطبيقها عليه وإن كان من حيث النظر يدعي محبتها ويتباكى عليها.

أنا لا أصدق الشعوب الإسلامية عندما تدعي الرغبة في أن تكون محكومة بالإسلام وهي بعيدة عن تطبيقه في حياتها اليومية كما ينبغي , لأن من يرغب في تطبيق الإسلام كنظام للحكم وسياسة الأمة رغبة حقيقة لا يقصر في تطبيقه على نفسه وأسرته ومحيطه القريب , سواء أكان في مجال العبادة أم المعاملة أم الاعتقاد ,

وما تردده الشعوب والجماعات الإسلامية من مناداة الحكام بتطبيق الشريعة

أفسره بحب موروث لهذا الدين لكن محبة هذا الدين نظريا لا تعني تحمل أعباء تطبيقه والدليل على ذلك من أوضح الأدلة وهو عجز الأفراد ومنهم كثير من المتدينين عن تطبيق الدين على أنفسهم كما ينبغي.

نظريا كل المسلمين دون استثناء يتمنون أن يحكمهم رجل مثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه لكن من حيث التطبيق لو تولى هذا الرجل لن يكون مصيره بين المسلمين وهم على ما هم عليه من البعد عن الإسلام أسعد من مصير علي رضي الله عنه في عصره.

والسبب في ذلك: أن الشريعة ليست أمرا هينا , ليست قانونا يلبي رغبات الناس واحتياجاتهم ويحمي حرياتهم وحسب؟ بل هي نسيج من الأنظمة التي تغطي حياة الفرد من ولادته حتى وفاته , وتحكم تصرفات المجتمع والدولة , نسيج من الأنظمة أعدى عدو لها الهوى والشهوة والأنانية وحب الذات , نسيج من الأنظمة لا تقبل أن يعترض عليها معترض من منطلق العقل وحده أو منطلق المصلحة وحدها مالم يكن العقل والمصلحة منضبطان بضوابطها أي أنها أنظمة لا تقبل الاعتراض عليها إلا بها.

هذه هي حقيقة الشريعة الإسلامية والحكم الإسلامي المحض فهي في ظرف الأمة الراهن أثقل من قدراتها.

إن شريعة هذا وصفها لا بد أن تنشغل الأمة بكل فعالياتها بتربية الناس تربية طويلة المدى على القدرة عليها بدلا من المطالبة بها وهم عاجزون عن تحملها.

كما ينبغي على الحكام أن لا يحولو بين الأمة وبين تربية نفسها.

د/ محمد بن إبراهيم السعيدي

رئيس قسم الدراسات الإسلامية بكلية المعلمين بمكة

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت