فهرس الكتاب

الصفحة 9350 من 28557

ـ [أبوزكرياالمهاجر] ــــــــ [09 - Jul-2008, مساء 04:41] ـ

نقل الملا على القارى الأتفاق على كفر من نوى الكفر ولو بعد فترة وهذا في كتابه ضوء المعالى بشرح بدء الأمالى

عندقول الناظم

ومن ينوى ارتدادا بعد دهر يصر عن دين حق ذا انسلال

فقال: فإذا أتى بما هو ينافيها ولو بالنية فقد كفر اتفاقا ولانقصد الكفر ينافى التصديق ويزيل التحقيق ولأنه رضى بالكفر والرضى بكفر نفسه كفر بالإجماع أهـ

ـ [الإمام الدهلوي] ــــــــ [02 - Apr-2009, مساء 01:33] ـ

أخي أبو زكريا المهاجر بارك الله فيك

ولعل في هذا الكلام من الإمام ابن قيم الجوزية تفصيل أوضح للمسالة.

يقول الإمام القيم رحمه الله بعد أن سرد جملة من الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن النية لا يؤاخذ بها المرء ما لم يقع منه القول أو الفعل: (( ... فتضمنت هذه السنن أن ما لم ينطق به اللسان من طلاق أو عتاق، أو يمين أو نذر ونحو ذلك، غير لازم بالنية والقصد، وهذا قول الجمهور.

وفي المسألة قولان آخران:

أحدهما: التوقف فيها، قال عبد الرزاق عن معمر، سئل ابن سيرين عمن طلق في نفسه، فقال: قد علم الله ما في نفسك؟ قال: بلى، قال: فلا أقول فيها شيئًا.

والثاني: وقوعه إذا جزم عليه، وهذا رواية أشهب عن مالك، ورُوي عن الزهري.

وحجة هذا قوله:"إنما الأعمال بالنيات"، وأن من كفر في نفسه، فهو كفر، وقوله تعالى:"وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله"سورة البقرة (248) .

وأن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها، وبأن أعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح، يًثاب على الحب والبغض، والموالاة والمعاداة في الله، وعلى التوكل والرضى، والعزم على الطاعة، ويعاقب على الكبر والحسد، والعجب والشك والرياء وظن السوء بالأبرياء.

ولا حجة في شيء من هذا على وقوع الطلاق والعتاق بمجرد النية من غير تلفظ، أما حديث:"الأعمال بالنيات"فهو حجة عليهم، لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر، لا النية وحدها، وأما من اعتقد الكفر بقلبه أو شك، فهو كافر لزوال الإيمان الذي هو عقد القلب مع الإقرار، فإذا زال العقد الجازم، كان نفس زواله كفرًا، فإن الإيمان أمر وجودي ثابت قائم بالقلب فما لم يقم بالقلب حصل ضده وهو الكفر، وهذا كالعلم والجهل، إذا فُقِدَ العلم حصل الجهل، وكذلك كل نقيضين زال أحدهما خلفه الآخر.

وأما الآية فليس فيها أن المحاسبة بما يُخفِيه العبد إلزامه بأحكامه بالشرع، وإنما فيها محاسبته بما يُبديه أو يخفيه، ثم هو مغفورٌ له أو معذب، فأين هذا من وقوع الطلاق بالنية، وأما أن المصرَّ على المعصية فاسق مؤاخذ، فهذا إنما هو فيمن عمل المعصية، ثم أصرَّ عليها، فهنا عمل اتصل به العزم على معاودته، فهذا هو المصر، وأما من عزم على المعصية ولم يعملها، فهو بين أمرين: إما أن لا تكتب عليه، وإما أن تكتب له حسنة إذا تركها لله عز وجل، وأما الثواب والعقاب على أعمال القلوب فحقٌ، والقرآن والسنة مملوآن به، ولكن وقوع الطلاق والعتاق بالنية من غير تلفظ أمر خارج عن الثواب والعقاب، ولا تلازم بين الأمرين، فإن ما يعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاصٍ قلبية يستحق العقوبة عليها، كما يستحقه على المعاصي البدنية إذ هي منافية لعبودية القلب، فإن الكبر والرياء وظن السوء محرمات على القلب، وهي أمور اختيارية يمكن اجتنابُها فيستحق العقوبة على فعلها، وهي أسماء لمعانٍ مسمياتها قائمة بالقلب.

وأما العتاق والطلاق، فاسمان لمُسمّيين قائمين باللسان، أو ما ناب عنه من إشارة أو كتابة، وليسا اسمين لما في القلب مجردًا عن النطق.

وتضمنت أن المكلف إذا هزل بالطلاق، أو النكاح، أو الرجعة، لزمه ما هزل به، فدل ذلك أن كلام الهازل معتبر وإن لم يُعتبر كلامُ النائم والناسي، وزائلِ العقل والمكرَه، والفرق بينهما أن الهازل قاصدً للفظ غيرُ مريدٌ لحكمه، وذلك ليس إليه، فإنما إلى المكلَّف الأسباب، وأما ترتُّب مسبَّباتها وأحكامها، فهو إلى الشارع قصده المكلّفُ أولم يقصده، والعبرة بقصده السبب اختيارًا في حال عقله وتكليفه، فإذا قصده، رتب الشارع عليه حُكمه جدَّ به أو هزل، وهذا بخلاف النائم والمَُبرسَمٍ، والمجنون والسكران وزائل العق، فإنهم ليس لهم قصد صحيح، وليسوا مكلفين، فألفاظهم لغو بمنزلة ألفاظ الطفل الذي لا يعقل معناها، ولا يقصده وسرّ المسألة الفرق بين من قصد اللفظ، وهو عالم به ولم يُرد حكمه، وبين من لم يقصد اللفظ ولم يعلم معناه، فالمراتب التي اعتبرها الشارع أربعة.

إحدها: أن يَقصد الحكم ولا يتلفظ به.

الثاني: أن لا يقصد اللفظ ولا حكمه.

الثالثة: أن يقصد اللفظ دون حكمه.

الرابع: أن يقصد اللفظ والحكم.

فالأوليان لغو، والآخرتان معتبرتان.

هذا الذي استُفيدَ من مجموع نصوصه وأحكامه، وعلى هذا فكلام المكرَه كله لغو لا عيرة به، وقد دلّ القرآن على أن من أُكره على التكلم بكلمة الكفر لا يكفر، ومن أُكره على الإسلام لا يصير به مسلمًا، ودلّت السنة على أن الله سبحانه تجاوز على المكره، فلم يؤاخذ بما أُكره عليه، وهذا يُراد به كلامه قطعًا، وأما أفعاله، ففيها تفصيل، فما أبيح منها بالإكراه فهو متجازو عنه ... وما لا يباح بالإكراه، فهو مؤاخذ به ... والفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه، أن الأفعال إذا وقعت لم ترتفع مفسدتها، بل مفسدتها معها بخلاف الأقوال، فإنها يمكن إلغاؤها وجعلها بمنزلة أقوال النائم والمجنون، فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتة بخلاف مفسدة القول، فإنها إنما تثبت إذا كان قائله عالمًا به مختارًا له .. ) إهـ زاد المعاد (5/ 184 وما بعدها) .

والله أعلم وأحكم.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت