فهرس الكتاب

الصفحة 937 من 28557

وكما منعوا الولاة من إعطاء غير المستحقين حرَّموا على هؤلاء الأخذ، قال البلاطنسي: والمأخوذ حرام على الآخذ غير المستحق (7) ولما ساق النووي الخلاف في حكم قبول عطية السلطان قال: والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطى من لا يستحق (8) ثم قال: وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنع من استحقاق الأخذ (9) .

فأنت ترى أن الاستحقاق شرط في إباحة المأخوذ، سواء غلب الحرام فيما في يد السلطان أو لم يغلب، وهذا صريح في تحريم أخذ غير المستحقين من المال العام.

ولقد عد بعض أهل العلم الاستئثار بالأخذ من المال العام من غير اتصاف بصفة استحقاق بدعة أضرت بمصالح المسلمين في دينهم ودنياهم (10) .

ثالثًا: القاعدة الفقهية: تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة (11) وهذه القاعدة أشبه بالمجمع عليها، قلَّ أن يغفل من تكلم في القواعد الفقهية عن ذكرها، وهي تعد الصياغة الفقهية الشرعية لما يجب على ولي الأمر وغيره فعله في شؤون المسلمين كلها، ومنها المال العام، وعلى هذا فحيث تجد الفقهاء يطلقون التخيير لولي الأمر في شؤون المسلمين، كقولهم: الحكم في الأسرى، وفي تفريق أموال بيت المال، وفي تولية القضاء، فإنهم لا يعنون - بحال - إطلاق الاختيار له، بحسب هواه، بل تقييده بمقتضى هذه القاعدة، وهو اختيار الأصلح (12) . وتسميتهم ذلك خيرة يقصدون به أنه لا يتحتم عليه قبل الفكر والنظر فعل خصلة من الخصال، وإنما يجب عليه أن يبذل غاية الجهد في اختيار ما هو أصلح للمسلمين (13) ، فإذا استوعب الفكر والنظر في وجوه المصالح، فوجد مصلحة هي أرجح للمسلمين، تحتم عليه تحصيلها، وأثم بتفويتها (14) .

فمثلًا معنى تخييره في صرف أموال بيت المال: أنه يجب عليه الاجتهاد والنظر في تعيين مصالح الإنفاق، والأخذ بالراجح، وتقديم الأهم، واجتناب كل ما يؤدي إلى إضاعة المال، أو حرمان المستحقين من حقوقهم فيه، أو إيثار شخص أو طائفة به.

ويلخص ذلك العز بن عبد السلام بقوله: وكل تصرف جر فسادًا، أو دفع صلاحًا فهو منهي عنه، كإضاعة المال بغير فائدة (15) .

وقد اشتد نكير أهل العلم على من ظن أن لولي الأمر أن يتصرف في مال المسلمين العام بحسب هواه، اعتقادًا منهم أنه ملكه، يتصرف فيه بما شاء، قال البلاطنسي: واعتقد الجهال أن للسلطان أن يعطي من بيت المال ما شاء لمن شاء، ويقف ما شاء، على من يشاء، ويرزق ما يشاء، لمن يشاء، من غير تمييز بين مستحق وغيره، ولا نظر في مصلحة، بل بحسب الهوى والتشهي، وهو خطأ صريح، وجهل قبيح، فإن أموال بيت المال لا تباح بالإباحة (16) .

وتقييد التصرف بالمصلحة يظهر أكثر وضوحًا من خلال تتبع فروع المسائل التي يذكرها الفقهاء تحت هذا الباب - تصرف الإمام في شؤون الرعية - حيث تجدهم يقيدون كل تصرف بظهور المصلحة فيه، ومن أمثلة ذلك:

أنهم قيدوا جواز الوقف من بيت المال (17) ، والبيع (18) ، والإقطاع (19) ، والحكم في الأسرى (20) ، وفي حد المحارب (21) ، والإبراء من حق واجب لبيت المال (22) ، والزيادة في مقدار الخراج المضروب على الأرض والنقصان منه (23) ، وتنفيل بعض المقاتلين من الغنيمة (24) ، وجواز الصلح مع الكفار (25) ، وفي مقدار التعزير (26) ، قيدوا ذلك كله بكونه الأصلح للمسلمين (27) .

وقد اشترط الفقهاء في المصلحة المعتبرة لمشروعية التصرف في المال العام أن تكون متحققة أو يغلب الظن بتحققها، ولا يكفي مجرد الظن، قال ابن جماعة وأما من ليس في عطائه مصلحة عامة، بل قصدت مصلحة خاصة، كمن يعطى لمجرد ظن صلاحه؛ لوجاهته، من غير حاجة .. فلا يجوز صرف مال المسلمين إليه (28) ووجه ذلك: حتى لا تتخذ المصلحة ستارًا يوارى به التصرف الضار بالمال العام.

رابعًا: عدم نفاذ كل تصرف لا مصلحة فيه، وإبطاله إذا كان مما يقبل الإبطال، قال القرافي: الأئمة معزولون عما هو ليس بأصلح، حتى وإن كان صالحًا (29) ، وقال علاء الدين الإمام: ليس للإمام أن يقطع ما لا غنى للمسلمين عنه .. ولو فعل فالمُقْطَعُ وغيره سواء (30) أي سواء في الانتفاع بالإقطاع، وهذا إبطال للتخصيص لما كان غير مشروع، وقال الشافعي - بعد أن قرر ما يجب على ولي الأمر فعله في أرض العنوة-: وكل ما وصفت أنه يجب قسمه فإن تركه الإمام، ولم يقسمه .. أو تركه لأهله، رد حكم الإمام فيه؛ لأنه مخالف للكتاب والسنة (31) ، واستدل البلاطنسي

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت