فهرس الكتاب

الصفحة 9518 من 28557

وإياهم نعيش في وطن واحد؟ إننا بهذا الفهم نعود إلى صورة من صور الجاهلية الأولى التي جاء هذا الدين للقضاء عليها وجعل رابطة العقيدة والإيمان فوق كل رابطة يعادى من أجلها ويوالى من أجلها ويحب من أجلها ويبغض من أجلها.

قال صلى الله عليه وسلم: (من تعزى بعزاء أهل الجاهلية فأعضوه هن أبيه ولا تكنوا) .

فسمع أبي بن كعب رجلًا يقول: يالفلان! فقال: اعضض إير أبيك فقال: يا أبا المنذر! ما كنت فاحشًا، فقال بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد في مسنده (20728) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (269) .

ويشرح شيخ الإسلام هذا الحديث فيقول: (ومعنى قوله: من تعزى بعزاء الجاهلية) يعني يتعزى بعزائهم، وهي الانتساب إليهم في الدعوة، مثل قوله: يالقيس! ياليمن! ويالهلال! ويالأسد، فمن تعصب لأهل بلدته، أو مذهبه، أو طريقته، أو لأصدقائه دون غيرهم كانت فيه شعبة من الجاهلية، حتى يكون المؤمنون كما أمرهم الله تعالى معتصمين بحبله وكتابه وسنة رسوله) [مجموع الفتاوى 28/ 422] .

وقد وقفت على دراسة مهمة يتحدث فيها كاتبها د. أحمد محمود السيد عن فقه المواطنة وأصولها الغربية في الجاهلية المعاصرة، ونظرًا لأهميتها وعلاقتها بموضوعنا أنقل بعض ما ورد فيها حيث يقول وفقه الله تعالى: (في هذه الأيام يتردد لفظ المواطنة على ألسنة المهتمين بالعمل السياسي ودعاة العلمانية وأنصار المنهج العلماني بوجه عام ولا غضاضة في هذا ولا عجب، حتى وإن ادعى هؤلاء أنه لا يتعارض مع الإسلام، أو أن الإسلام قد عمل به وأسسه، بل العجب كل العجب أن ينبري بعض الشيوخ وعلماء الشريعة لإثبات أنه مبدأ إسلامي أصيل وأن مضمون هذا المفهوم مماثل لما جاء به الشرع الحنيف!

والأدهى من ذلك أن السيناريو نفسه يتكرر كما حدث في الستينات مع الاشتراكية هناك من كتب عن (( المواطنة في الإسلام ) )، و (( المواطنة عند رسول الله ) )، و (( المواطنة في الشريعة الإسلامية ) )، و (( المواطنة مبدأ إسلامي أصيل ) )، و (( مبدأ المواطنة أهم دروس الهجرة ) ).

وهناك من استدل بآيات قرآنية وتفسيرات حاول أن يلوي فيها أعناق الآيات لكي تعبر عن مفهوم المواطنة الغربي مؤكدًا تطابقها مع تفسيرات القرآن!

تعالوا نتفهم معنى المواطنة في دولة المنشأ لنعرف إن كانت تصلح كمبدأ إسلامي أم لا ..

يعرف قاموس المصطلحات السياسية (( المواطنة ) )بأنها: مكانة أو علاقة اجتماعية تقوم بين شخص طبيعي، وبين مجتمع سياسي (الدولة) ، ومن خلال هذه العلاقة يقدم الطرف الأول الولاء، ويتولى الطرف الثاني الحماية، وتتحدد هذه العلاقة بين الشخص والدولة بالمساواة أمام القانون (( الوضعي ) )في ظل هيمنة الدولة القومية.

ويعبر مفهوم المواطنة بمعناه الحديث عن تطور شديد التعقيد صاغته أوربا الغربية في القرن التاسع عشر خلال عمليات تاريخية واجتماعية وسياسية تم فيها الانتقال من الحق الإلهي المقدس إلى حق المواطن، ومن هيمنة الكنيسة إلى هيمنة الدولة ...

والمواطنة كمفردة من مفردات النظام السياسي الغربي ـ الذي انتشر في أوربا ومنها إلى أمريكا ثم بقية أنحاء العالم بعد ذلك ـ ترتكز على مجموعة عناصر أساسية أهمها:

1 -إحلال عبادة الوطن وتقديمها على عبادة الله وحده.

2 -إعلاء وتقديم الولاء للدولة على أي ولاء آخر حتى ولو كان الدين.

3 -إحلال الرابطة القومية محل الرابطة الدينية كأساس لتجانس الجماعة السياسية

4 -تحويل الفرد من مقولة دينية إلى مقولة سياسية.

5 -فصل العلاقة السياسية عن العلاقة الدينية.

6 -صبغ الوجود الديني بطابع النسبية والذاتية.

7 -رفض القيم والأخلاق الكاثوليكية في ملية بناء الدولة أو رسم السياسة العامة.

8 -رفض تدخل رجال دين في كل ما له صلة بالسلطة الزمنية.

9 -إطلاق التسامح الديني، وحرية الاعتقاد طالما أنه لن يتدخل في شؤون الحكم

10 -الحرية هي القيمة العليا التي تعلو على سائر القيم بما فيه حرية الارتداد عن الدين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت