فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 28557

وكان دليله الثاني قائمًا على الترتيب والنظام وهو منهج قريب من منهج القرآن الكريم أيضًا.

أما الدليل الثالث: فهو قائم على مقدمتين الأولى منهما صحيحة عقلًا لا ريب فيها، والثانية: عليها خلاف حتى بين المتكلمين والفلاسفة، ولا تسلم من الاعتراض وذلك يفتح الباب للنقاش في مسألة وجوده تعالى، مع أنها مسلَّمة مغروسة في الفطر، فنثبت ما هو مسلَّم في وجوده، بما هو غير مسلّم وعليه خلاف، وهذا ما لا يقبله المنطق السليم.

7 -يتفق الباقلاني مع المتكلمين في أقسام التوحيد، إذ إنهم لا يثبتون إلا نوعين من أنواع التوحيد وهما"توحيد الربوبية"و"توحيد الأسماء والصفات"، وأما"توحيد الألوهية"ذلك التوحيد الذي دعت إليه الرسل، فإنه لا يتوصل إليه في أدلته وإن كان قد ذكره بمعناه وتطرق إليه، وقد استدل عليه"بدليل التمانع"وهذا الدليل يدل على أن الله تعالى هو خالق العالم وأنه ربه ومليكه والمتصرف به، لكنه لا يدل على وحدانية الله تعالى وتفرده بالألوهية دون سواه.

وقد دلّ القرآن الكريم على ذلك بأدلة تخاطب العقل والحس معًا، عن طريق المشاهدة الحسية للنظام والعناية والتدبير لهذا الكون الذي يستحيل معه صدوره عن أكثر من إله.

8 -يتفق الباقلاني مع السلف في تقسيم الصفات إلى صفات ذاتية، وصفات فعلية، إلا أنه يخالف في قضية نفي قيام الأفعال بالله تعالى، فيكون إثبات الصفات الفعلية لله تعالى لا حقيقة له عنده.

ثم إن الباقلاني يثبت أغلب الصفات لله تعالى، وعلى الأخص الصفات الخبرية التي يؤولها كثير من الأشاعرة، كالوجه، واليدين، والعينين، والاستواء وغيرها، وهو في ذلك يتفق مع السلف.

ويخالف السلف في بعض الصفات التي يؤولها كصفات الرضا، والغضب، والكلام، والبقاء.

9 -أما مذهبه في القرآن فهو يتفق مع السلف في أن القرآن هو كلام الله تعالى على الحقيقة المكتوب في المصاحف، المحفوظ بالقلوب، المقروء بألسنتنا، المسموع لنا كل ذلك على الحقيقة، إلا أنه يخالفهم في أن القرآن عنده المنزّل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم نزول إعلام وإفهام، لا نزول حركة وانتقال مما دفعه إلى اعتبار الكلام النازل على الحقيقة المنتقل من قطر إلى قطر -كما يقول- هو قول جبريل عليه السلام، فوقع في التناقض، والذي دفعه إلى ذلك هو قوله:"إن الكلام هو المعنى النفسي فقط: كما يقوله الأشاعرة."

10 -ويتفق الباقلاني مع السلف في إثبات الاستواء والعلو، إلا أنه ينفي الجهة مطلقًا، وفي ذلك يخالفهم، لكنه على ما يبدو لا ينفي الجهة باعتبار أنها أمر عدمي وهو ما فوق العالم، لأنه يثبت الاستواء والعلو بمعناهما الحقيقي، لكنه ينفي الجهة باعتبار أنها من سمات الحدث كما يقول.

11 -والباقلاني يقول بفكرة الأحوال، إلا أن الأحوال عنده تختلف عن فكرة الأحوال عند أبي هاشم الجبائي، من حيث القاعدة التي سار عليها، والهدف الذي أراده، لكنه خالف في ذلك شيخه الأشعري، وجمهور مثبتة الصفات.

12 -كما يوافق الباقلاني السلف في كثير من مباحث أفعال الله تعالى، فيثبت القضاء والقدر، وخلقه تعالى لأفعال عباده، وهديه لهم وإضلالهم، إلا أنه يختلف معهم في قوله بالكسب، لكنه يثبت تأثيرًا للقدرة الحادثة في وجه من وجوه الفعل، وفي ذلك يخالف شيخه الأشعري الذي لا يثبت تأثيرًا للقدرة الحادثة مطلقًا.

ويرى الباقلاني: أنه لا يجب على الله شيء، وأنه لا واجب عليه لأحد من الخليقة، ولم يستثن ما أوجبه الله تعالى على نفسه، وفي ذلك يتفق مع المتكلمين.

13 -والباقلاني يقول: إن الحُسن والقبح ليسا عقليين، خلافًا لقول المعتزلة، وليس الأمر كما قال واحد منهما، لأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، ولكن ترتب الثواب والعقاب عليها لا يكون إلا بأمر الشارع ونهيه.

14 -أما قضية تعليل أفعال الله تعالى، فيوافق الباقلاني الأشعري وأصحابه ومن قال بقولهم، وهو عدم تعليل أفعال الله تعالى، والحق في ذلك: أن الله تعالى يفعل ما يفعله لحكمة هو يعلمها، وقد يعلمها الخلق أو لا، مع ملاحظة أن عدم علمهم بها لا يعني عدم وجودها، والله أعلم.

ـ [سليمان الخراشي] ــــــــ [05 - Dec-2006, مساء 04:04] ـ

مقالات ذات صلةانحرافات المحققين (3) : انحرافات محققي (التمهيد) للباقلاني .. !

كتاب التمهيد للباقلاني، وعبث محققه!

رجوع الباقلاني عن التأويل إلى مذهب السلف

مع ملاحظة أن الباقلاني لم يرجع إلى مذهب السلف كما ظن كاتب المقال، إنما هو في برزخ بين مذهب السلف ومذهب الخلف، قبل أن يطم علم الكلام على أذهان الأشاعرة - هداهم الله وردهم إلى مذهب السلف ردًا جميلا -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت