أو بنثام أو غيرهم .. أن يكون الإنسان متمتعًا بحرية الاختيار لا يعني أن يكون الأمر مطلقًا. ففي «ليفايثون» هوبز كان الإنسان مطلق الحرية في «حالة الطبيعة» ، ولكن هذه الحرية كانت تعني حرية القتل والدمار فيما عنت من حريات، ومن هنا «اختار» الإنسان أن يتنازل عن بعض حريته لكائن جبار (ليفايثون، أو الدولة) من أجل أن يستطيع التمتع ببقية حقوقه وحرياته الطبيعية .. الحرية، أو لنقل حرية الاختيار تحديدًا، وإن كانت في معناها الأصلي انتفاء القيد، إلا أنها مجبرة أن تكون مقيدة بقيدين أساسيين من أجل ذات الحرية، إذا كان الحديث عن مجتمع متمدن: حرية وحقوق الآخرين، والقانون الذي يشكل خريطة الحقوق والحريات، وبالتالي المحدد لتلك الدوائر التي يستطيع الفرد أن يتحرك في إطارها ممارسًا لحريته، دون أن يكون معتديًا على حريات الآخرين .. وإذا لم تؤطر هذه الحقوق والحريات بإطار يبين متى تبدأ حرية هذا وتنتهي حرية ذاك، فإن حالة الطبيعة الهوبزية هي المآل، وليس العراق اليوم إلا مثلًا على ذلك، حيث تسود حرية مطلقة تسمح بكل شيء، بما فيها حرية القتل. المجتمع الأميركي أو البريطاني أو الفرنسي هي مجتمعات ليبرالية إلى حد كبير، للفرد أن يفعل فيها بحرية ما يشاء، ولكن دون اعتداء على حرية الآخرين، أو استفزازهم، فالكل هنا متساوون أمام قانون مهمته تنظيم العلاقات الناجمة عن حرية الاختيار .. حرية الاختيار، وإن عنت في بعض جوانبها ممارسات غير مرضي عنها أخلاقيًا، إلا أنها تعني أيضًا حرية الرأي دون قمع، حرية البحث دون قيود، حرية القول دون تكميم، حرية الصحافة دون توجيه، حرية التعبير بلا حدود، حرية النقد دون تابوهات، حرية المعتقد دون كبت .. وفي العلاقة بين الليبرالية والأخلاق، أو الليبرالية والدين، فإن الليبرالية لا تأبه لسلوك الفرد طالما أنه لم يخرج عن دائرته الخاصة من الحقوق والحريات، ولكنها صارمة خارج ذلك الإطار. أن تكون متفسخًا أخلاقيًا، فهذا شأنك. ولكن، أن تؤذي بتفسخك الأخلاقي الآخرين، بأن تثمل وتقود السيارة، أو تعتدي على فتاة في الشارع مثلًا، فذاك لا يعود شأنك. وأن تكون متدينا أو ملحدًا فهذا شأنك أيضًا، وهو أيضًا ما بشرت به كافة الأديان: «قد تبين الرشد من الغي، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» ، ولكن أن تفرض معتقدك على الآخرين، فهذا ليس من شأنك، بل اعتداء على دوائر الآخرين وحرية الاختيار لديهم ..
فبفرض اعتقادك على الآخرين، لسبب أو آخر، فإنك قد تحولهم إلى معتقدك ظاهرًا، ولكن هل يتحول الضمير باطنًا؟ هذا هو السؤال، وهنا يكمن الفرق بين المجتمع الليبرالي والمجتمع الشمولي أو الثيوقراطي أو السلطوي: الليبرالية تسمح بتوافق الظاهر والباطن، فيما بقية الأشكال تجعل التناقض هو أساس العلاقة بين الظاهر والباطن (ظاهرة النفاق) .. الفرق بين الحالة الليبرالية وغيرها، حيث تنتفي ظاهرة النفاق في الحالة الليبرالية، وينسجم الظاهر مع الباطن، وتنتفي الأقنعة"ا- هـ."
هذا مجمل ما جاء في مقاله .. نعقب عليه في النقاط التالية:
أولًا: قوله"المنطلق الرئيس في الفلسفة الليبرالية هو أن الفرد هو الأساس ... ومن هذا الفرد وحوله تدور فلسفة الحياة برمتها، وتنبع القيم التي تحدد الفكر والسلوك معًا"ا- هـ.
أقول: هذا قول باطل يُرد عليه من أوجه:
منها: أنه كلام نظري معسول أكثر منه واقعي وعملي ـ يُراد منه إغواء الفرد .. ونفخه .. وتضخيمه أكثر مما ينبغي .. وإشعاره أنه شيء كبير وهو ليس كذلك .. واستمالته إلى ساحتهم وما يدعونه إليه ـ يكذبه واقع أعرق دول العالم ليبرالية!
تضخيم النزعة الفردية كما في الأنظمة الليبرالية .. تأتي لتواكب وتلبي أطماع وطموحات ومصالح مجموعة من الأفراد العمالقة الكبار القلائل .. الذين يتحكمون باقتصاد وسياسة ومؤسسات وتوجهات الدولة والمجتمع .. على حساب ومصالح السواد الأعظم من صعاليك أفراد المجتمع .. الذين يعيشون على موائد وفتات ورحمة العمالقة الكبار .. ولو تضاربت ـ في مرحلة من المراحل ـ مصلحة ملايين من الأفراد .. مع مصلحة قلة من الأفراد المتنفذين المتملكين .. تجار الموت والسلاح .. المتسلطين هؤلاء .. فالليبرالية ـ كما هي في أمريكا وبلاد الغرب ـ تلبي حاجة القلة من هؤلاء الأفراد العمالقة ولو جاءت على حساب مصالح ملايين من أفراد
(يُتْبَعُ)