فهرس الكتاب

الصفحة 9676 من 28557

أما في عهدنا المعاصر الميمون، فقد كتبنا الكثير من المقالات من هذه الزاوية بصفة خاصة، ربما لا يمر عام منذ الثمانينيات إلا ويكون لنا أكثر من مقال عن اشتداد السطوة الأمنية على التعليم والتى تتصاغر أمامها كل الروايات التي رويناها عن فترة الخمسينيات والستينيات، مع الاعتراف بأن فترة السبعينيات كانت أخف بعض الشىء، وخاصة في أوائلها حيث كان النظام جديدا يريد أن يبرهن للناس أنه يقدر الديمقراطية، ودليله على ذلك، وقوف السادات أمام الناس والكاميرات حارقا لأشرطة تسجيلات كانت تسجلها الجهات الأمنية للناس،وإعلان أن دولة المخابرات قد سقطت 0

والحق أن هذا الأمر كان"مؤقتا"لأن دولة الأمن الآن هى التي تحكم وتوجه وتختار، ويكفى ما نشاهده هذه الأيام بالنسبة للاتحادات الطلابية 00لقد نزع"برقع الحياء"الذى كان يدفع الأمن لشطب بعض الطلاب ممن لا يرضى عنهم، وأصبح الشطب جماعيا، وتعلم الطلاب الدرس، فإذا بازورار لهم عن الانتخابات لتفوز - هكذا - معظم القوائم بالتزكية، هو الأمر نفسه في انتخابات المحليات والتجديد لمجلس الشورى، وأية دائرة تخلو بانتخابات مجلس الشعب، حيث لابد أن يفوز مرشح الدولة، هكذا جهارا نهارا، والذى لا يعجبه يروح يشتكى لوزارة الداخلية!!

وعلى الرغم من أن غالب الروايات التي شهدناها منذ الثمانينيات قد كتبنا عنها من قبل، لكن يبدو أن اكتمال الصورة يفرض علينا العودة إليها مرة أخرى حتى يتأكد لنا أن التعليم في مصر يكاد يختنق بفعل اليد الغليظة للقوى الأمنية، حيث تُوجع، وربما تشل في بعض الأحيان، فضلا عن ضربها المثل والقدوة لمن لم يتلقى ضرباتها أن دوره بالضرورة سوف يأتى إن حدثته نفسه وتحدث، فضلا عن أن يفعل، ما يرضى السلطة 0

في جلسة سهر ودية، في أواخر الثمانينيات، مع بعض الأساتذة في مكتب عميد راحل لإحدى الكليات الساحلية حكى لنا أنه كان يحضر مرة مجلس الجامعة التي ينتمى إليها، ولاحظ أن عاملا يأتى لعميد آخر ويُسر إليه بأمر ما، فيقوم العميد خارج الجلسة ويغيب ربع ساعة تقريبا، ليتكرر الأمر مع عميد ثان، وثالث، حتى جاء الدور على صاحبنا، فلما خرج وجد أنه مدعو لمقابلة ضابط كبير من الأمن يجلس في مكتب ملحق، ويأخذ في الدردشة معه في موضوعات شتى، وعرف أن منصب نائب لرئيس الجامعة قد خلا أو سوف يخلو، وهم يريدون تعيين واحد آخر، فانتهز الضابط الكبير فرصة انعقاد مجلس الجامعة، وأخذ على عاتقه - بتكليف من لا ندرى طبعا - أن يقوم بمعملية مقابلة لكل عميد حتى يرى من هو الأصلح لتولى هذا الموقع!!

صدمنى الأمر بطبيعة الحال، ورحت أتساءل بينى وبين نفسى، هل أصبح القائم باختيار القيادات الجامعية العليا،مثل هذا الضابط، مع تسجيل الاحترام والتقدير له ولغيره، في دائرة عمله واختصاصه، مئات الأساتذة في كل كليات الجامعة، الذين حصلوا على أعلى المراتب والدرجات في العلم والمعرفة، وسهر الليالى وتكبد كم مهول من المشاق والكد والعمل، لا رأى لهم في اختيار من يتولى قيادتهم، ويصبح ذلك من مهام أمن الدولة؟! ترى، كم من مشاعر القهر سوف تخنق رقاب هذه الصفوة من العلماء؟

ترى، كم منم مشاعر الإحباط واليأس سوف تدمى قلوب هذه الصفوة من الأساتذة؟

وعندما كنت رئيسا لرابطة التربية الحديثة، حيث تضم في أعضائها عادة، الكثير من أعضاء هيئة التدريس بكليات التربية، كنت أقيم ندوات شهرية فيها يُدعى إليها كبار المفكرين والمثقفين للحديث، على اعتبار أن تقوم الرابطة بدور مساند لكليات التربية، باعتبارها هيئة مدنية أهلية، تملك حرية حركة، وبعيدا عن النظام التربوى الرسمى بتقاليده ورتابته المعروفة، وبعد ندوة كان ضيوفها مفكرين إسلاميين، دعوت في الشهر التالى، في أول التسعينيات على وجه التقريب، ثلاثة من العلماء الأقباط، الدكاترة وليم سليمان، المفكر القبطى المرموق في هذه الفترة، وسليمان نسيم، أستاذ التربية بجامعة حلوان، وعادل عازر الأستاذ بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية، ليتحدثوا عن دور الكنيسة القبطية في التعليم المصرى 0

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت