كانت أول خبرة لى بالجانب الأمنى في صيف عام 1954، فقد كنت قد تقدمت لامتحان ما كان يسمى بشهادة الثقافة العامة، والتى كانت تأتى بعد دراسة أربع سنوات في التعليم الثانوى (كان خمس سنوات) من المنازل، وامتُحنت في مقررات هذه السنوات الأربع ونجحت، وكانت هذه خطوة ضخمة، نشرت سيرتى بين أهل قريتنا، ودفعت من يعرفوننى في تلك الفترة أن يأتوا منزلنا للتهنئة"وشرب الشربات"0
كان من المهنئين مرة، مجموعة طلاب ينتمون إلى الإخوان المسلمين، وكانت العلاقة بين الجماعة والدولة متوترة في تلك الفترة، لكننى كنت أحب هذه المجموعة من الأصدقاء بصفة خاصة لما كانوا يتميزون به من حسن الخلق، والتفوق الدراسى، وهذا أمر كنت حريصا عليه في هذه المرحلة القلقة من العمر التي كانت سياط المراهقة تلهب ظهورنا، ويصبح"الصديق"عاملا مساعدا مهما، إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا 00
التقيت بهم في طريق بالقرب من منزلنا، وأبدوا رغبتهم هم كذلك أن يأتوا معى إلى المنزل مهنئين، وكان منزلنا في حارة داخل حارة، وإذا بى ألاحظ عندما اقتربنا بأن شخصا غريبا ينظر إلينا نظرات غريبة، وكان يسير في اتجاه معاكس، ثم حانت التفاتة منى إلى الخلف فلاحظت أنه توقف عن السير وبدأ يغير اتجاهه ليسير وراءنا، فشككت في أمره، حيث صح بعد ذلك أن تيقنت أنه كان مخبرا سريا 0
وما أن دخلنا البيت، وطلبت من أمى أن"تعمل الشربات"، إذا بدقات عنيفة متلاحقة على باب الباب الخارجى للبيت، وسيدة من البسطاء الذين يجلسون على الطريق عادة، على باب الله، تصيح"يا أم محمد (حيث شقيقى الراحل الدكتور محمد إسماعيل) 00اخرجى الإخوان اللى عندكم، أحسن المباحث جايين"!
ارتبكت كثيرا وشعرت بحرج شديد، فالصوت كان عاليا بحيث سمعه الضيوف الذين أعفونى من الحرج فإذا بهم يطلبون الإذن بالخروج، وخرجوا بالفعل، دون أن يشربوا"الشربات"!!
عرفت أن منافذ الحارات آلتي كان البيت بها (ثلاثة) يقف على رأس كل منها عسكرى!!
لا أكتم القارئ أننى شعرت بخوف شديد، وتساءلت في نفسى: ما الجرم الذى ارتكبناه حتى يحيطنا الأمن بهذا الطوق، ونحن أسرة بسيطة فقيرة، لا حول لنا ولا قوة، والحالة القائمة حالة طالب تفوق تفوقا ملحوظا بنجاحه في مقررات أربع سنوات مرة واحدة، وزملاء له يريدون تهنئته؟ هل لمجرد أن الأصدقاء من الإخوان؟ وما ذنبى وأنا لست عضوا بالجماعة، وفى القرية عادة يكون كل شئ معروفا للجميع، وخاصة التوجه الفكرى أو المذهبى؟ يبدو أن وجود بيتنا في حارة داخل حارة قد صورّ للمخبر أن هناك خلية سرية تريد أن تجتمع في هذا المكان البعيد عن الأنظار، وبالتالى يكون قد وضع يده على صيد ثمين!!
لا أستطيع أن أنسى هذه الليلة أبدا 00فالأسرة كلها ظلت فرائصها ترتعد، ننتظر في كل لحظة القبض علينا، وكان أكثرنا سخطا: أبى، الذى انهال - مع الأسف - بصب اللعنات على الإخوان المسلمين واللى جاب الإخوان، واليوم الأسود اللى طلعت فيه!! مع إطلاق التهديدات للعبد الفقير بأنه إذا اقترب منهم مرة أخرى سوف ينال عقابا لا يخطر له على بال، حتى لو أدى ذلك على مسحه من على"وش الدنيا"!!
صحيح أن الأمر بعد ذلك قد بيّن للمخبر أن القبة من غير شيخ يرقد تحتها، لكن ما تركه هذا الموقف من آثار في نفسى، لم ينمح أبدا، من حيث كراهية القهر، والإيمان بأن النظام الحاكم، مهما أنجز من عظائم الأمور يظل مدانا عندما يزرع الخوف في قلوب المواطنين، والرعب من أن يتحدثوا بما لا يحب 0
ومثلما هو المعروف عن المناخ العام في قرانا المصرية، فقد شاع الأمر في كل أرجاء القرية، مع عادة إضفاء المزيد من"التوابل"في الحديث ونقل الأخبار، بحيث يصبح الخبر في النهاية ذا شأن مثير، وعرف الجميع أن"ابن اسماعيل السيد على"كان يخبىء مجموعة من الإخوان في منزلهم، لولا المباحث أخرجتهم وطاردتهم!
لا أقصد أن أدعى الثورية والشجاعة عندما أؤكد على هذا الأثر العكسى الذى تركه الحادث في قلبى وعقلى لكن مثل هذا الموقف وما ماثله من شأنه أن يُعَلِّم التلاميذ الخوف من إبداء الرأى عندما يكون مخالفا، وأن المطلوب هو"الصمت"لتزرع بذلك بذور ما يعرف"بثقافة الصمت"،والتى هى مقبرة العقول، وسكين الألسنة!
وعندما التحقت بآداب القاهرة عام 55/ 1956 أُعلن عن تطبيق نظام"جديد"وهو تقسيم العام إلى فصلين دراسيين 00
لم تكن المسألة تجديدا في التعليم الجامعى، وإنما هى"النظرة الأمنية"الحاكمة للتعليم في مصر: اقتطاع جزء من نظم التعليم المتقدمة للإيحاء بأننا"نطور"، بينما يكون المقصود هو استغلال مثل هذا النظام في إحكام القبضة الأمنية و"تسكيت"الطلاب وشغلهم بالامتحانات والتحصيل،وبالتالى الازورار عن الانشغال بالمسائل السياسية!!
أقول الحق، لم أكن مدركا لهذا إلا عندما أعيد تطبيق هذا النظام في أواسط التسعينيات على وجه التقريب حيث كان قد ألغى منذ فترة تلت الخمسينيات، وهو الأمر اللافت للانتباه عندما يعيد النظام القائم الموغل في الرأسمالية المتوحشة ما سبق لنظام يوليو المعادى له أن فعله، وذلك لسبب بسيط وهو اتحاد المقصد، وتوافق الغايات، مع الاختلاف البين بين طبيعة نظام يوليو الذى لابد أن أكرر ثقتى بأنه كان وطنيا"، أخطأ الوسيلة، مهما وجهت إليه من صور نقد، بينما النظام الحالى"ذيل"لقوى الهيمنة الأمريكية والصهيونية!"
انتهى
اخر سطور للدكتور حفظه الله ان كان يقصد بها حكم جمال عبد الناصر عليه من الله ما يستحق فأنا قرأت للشيخ سفر الحوالى ان جمال كان عميل لامريكا وعدو صريح للاسلام