أما العام: فإن معلم الخير قد استعد لنفع الخلق بتعليمه وفتواه، فحقه على الناس حق المحسنين، ولا إحسان أعظم وأنفع من إحسان من يرشد الناس لأمر دينهم ويعلمهم ما جهلوا، وينبههم لما عنه غفلوا، ويحصل من الخير وانقماع الشر، ونشر الدين والمعارف النافعة ما هو من أنفع شيء للموحدين، ولمن أتى من بعدهم من ذريتهم وغيرهم، فلولا العلم كان الناس كالبهائم في ظلمة يتخبطون فهو النور الذي يهتدي به في الظلمات، والحياة للقلوب والأرواح والدين والدنيا، والبلد الذي ليس فيه ما يبين للناس أمور دينهم ويرشدهم لما ينتابهم مما هم في غاية الضرورة إليه، فقد أهله من ضروراتهم ومصالحهم ما يضر فقده بدينهم ودنياهم.
فمن كان هذا إحسانه، وأثره علي الخلق كيف لا يجب على كل مسلم محبته وتوقيره، والقيام بحقوقه؟!
حق العالم الخاص:
أما حقه الخاص على المتعلم، فلما بذله من تعليمه، الحرص علي ما يرشده ويوصله إلى أعلى الدرجات، فليس نفع الآباء والأمهات نظيرًا لنفع المعلمين المربيين للناس بصغار العلم قبل كباره، الباذلين نفائس أوقاتهم، وصفوة أفكارهم في تفهيم المسترشدين بكل طريق ووسيلة يقدرون عليها.
وإذا كان من أحسن إلي الإنسان بهديةٍ مالية ينتفع بها ثم تزول وتذهب له حق كبير على المحسن إليه، فما الظن بهدايا العلم النافع الكثيرة المتنوعة الباقي نفعها ما دام حيًا وبعد مماته، المتسلسل بحسب حال تلك الهدايا، فحينئذ يعرف أن له ممن الحق والتوقير وحسن الأدب والوقوف مع إشارته، وعدم الخروج عما أشار إليه مما ينفعه من الأمور التي قد جربها وهو أعرف بها منه من كيفيات التعليم ونحوها ما ليس لغيره.
احترام العالم:
وليجلس بين يديه متأدبًا، ويظهر غاية حاجته إلى علمه،ويدعوا له حاضرًا وغائبًا، وإذا أتحفه بفائدة أو توضيح لمشكل، فلا يظهر أنه قد عرفه قبله، وإن كان عارفًا له، بل يصغي غليه إصغاء المتطلب المتطلب بشدة إلى الفائدة. هذا فيما يعرفه، فكيف بما لم يعرفه، ولهذا كان هذا الأدب مستحسنًا مع كل أحد في العلوم والمخاطبات في الأمور الدينية والدنيوية.
العمل إذا أخطأ المعلم:
وإذا أخطأ المعلم في شيء فلينبهه برفق ولطف بحسب المقام، ولا يقول له: أخطأت، أو ليس الأمر كما تقول، بل يأتي بعبارة لطيفة يدرك بها المعلم خطأه من دون أن يتشوش قلبه، فإن هذا من الحقوق اللازمة وهو أدعى إلى الوصول إلى الصواب، فإن الرد الذي يصحبه سوء الأدب وإزعاج القلب يمنع من تصور الصواب ومن قصده.
الرجوع عن الخطأ:
وكما أن هذا لازم على المتعلم، فعلي المعلم إذا أخطأ أن يرجع إلى الحق، ولا يمنعه قول قاله ثم رأى الصواب في خلافه من مراجعة الحق والرجوع إليه، فإن هذا علامة الإنصاف والتواضع للحق فالواجب اتباع الصواب، سواء جاء علي يد الصغير أو الكبير.
ومن نعمة الله علي المعلم أن يجد من تلاميذه من ينبهه على خطئه، ويرشده إلى الصواب، ليزول استمراره على جهله فهذا يحتاج إلى شكر الله تعالى، ثم على شكر من أجري الله الهدى على يديه متعلمًا كان أو غيره.
قول العالم: الله أعلم فيما لا يعلم:
ومن أعظم ما يجب علي المعلمين أن يقولوا لما لا يعلمونه: الله أعلم، وليس هذا بناقص لأقدارهم، بل هذا مما يزيد قدرهم، ويستدل به على كمال دينهم،وتحريهم للصواب.
فوائد التوقف عما لا يعلم:
وفي توقفه عما لا يعلم فوائد كثيرة.
منها: أن هذا هو الواجب عليه.
ومنها أنها إذا توقف وقال: الله أعلم فما أسرع ما يأتيه علم ذلك من مراجعته غيره فإن المتعلم إذا رأي معلمه قد توقف جد واجتهد في تحصيل علمها، والتحاف المعلم بها، فما أحسن هذا الأثر.
ومنها أنه إذا توقف فيما لا يعرف، كان دليلًا على ثقته وأمانته وإتقانه فيما يجزم به المسائل، كما أن من عرف منه الإقدام على الكلام فيما لا يعلم كان ذلك داعيًا للريب في كل ما يتكلم به، حتى في الأمر الواضحة.
ومنها: أن المعلم إذا رأي منه المتعلمون التوقف فيما لا يعلم كان ذلك تعليمًا لهم وإرشادًا لهذه الطريقة الحسنة، والإقتداء بالأحوال والأعمال ابلغ من الإقتداء بالأقوال.
المناظرة بين المتعلمين:
(يُتْبَعُ)