فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لستُ أعني بكلامي هذا أن الشيخ حاتمًا أراد بكلامه مجرَّد الشناعة. لكن مقصودي أنه استخدم خطابًا ليس له، وإنما هو خطاب يشبه خطابَ خصوم الدعوة الإصلاحية من القدماء والمحدثين، الذين ظلوا يردِّدونَ أن الشيخ يكفر مخالفيه ويستبيح دماء المسلمين مع إقرارهم بالشهادتين.
أصحابُ هذا الخطاب لو كانوا في الصَّدر الأول، لرفعوا أصواتهم بأن الصِّديق وسائر الصحابة -رضي الله عنهم- كفَّروا بني حنيفةَ وسفكوا دماءهم، مع أنهم يشهدون ألا إله إلله، وأن محمدًا رسول الله! وأن عليًَّا -رضي الله عنه- قتل وحرَّقَ أناسًا من أصحابه مقرِّين بالشهادتين. وأن علماءَ الإسلام أفتوا بكفر حكام مصر العبيديين وأوجبوا قتالهم مع أنهم مقرِّون بالشهادتين! ونحو ذلك من الخطابات الإعلامية الفارغة من العلم والتحقيق.
الشيخُ حاتم -رعاه الله- ورد إليه سؤالٌ مجمَلٌ. وصاحبُ السؤال لم يذكر مسألةً معينةً استشكلها من كلام الشيخ محمد بن عبدالوهاب، بل كان يسأل عن التكفير الموجود في تاريخين من تواريخ الدعوة الإصلاحية. فجاء الشيخ حاتم ليجاري السائل، وليعطي جوابًا مجملًا حمل في طياته تخطئةً للشيخ في تقريرهِ لمسائل التكفير، ثم طالب (أتباع الشيخ!) بكتابة نقدٍ لتلك الأخطاء، التي لم يذكُر منها شيئًا.
ومن الطبعي أن يثير مثلُ هذا الجوابٍ العائم انتقادَ أهل الاختصاصِ الذين يدركونَ ما يُشنِّع به خصومُ الدعوة الإصلاحية، ويفترونه على إمامها، من وصمه برأي الخوارج، وأنه يكفِّر أهلَ الإسلام، ويستبيح دماءهم بغير وجه حقٍ.
و زاد الأمر سوءًا تصرُّف مشرفي موقع (الإسلام اليوم) ، حين وضعوا للفتوى أولَ الأمر عنوانًا غريبًا مستفِزًا لم يرد في كلام السائل ولا في كلام المجيب: (الوهابية بين الغلاة فيها والغلاة عنها) !
(الوهابية) في الأصل عبارة نبزٍ وانتقاصٍ. وأكثر ما ترِد على ألسنة الروافض والخرافيين من خصوم دعوة التوحيد. و مقصودهم بها تصنيف دعوة الشيخ على أنها فرقةٌ عقديةٌ حادثة لها أصولٌ خاصةٌ تتميز بها عن أصول أهل السنة.
فهل كان الشيخ محمد - رحمه الله - مجدِّدًا للدعوة السُّنية السَّلفية؟
أو أنه كان منشِئًا لطريقةٍ جديدةٍ مخترعةٍ اسمها: (الوهابية) ؟
هذه النقطة كانت ولا زالت من أكبر مواضع النزاع مع خصوم تلك الدعوة المباركة -على صاحبها الرحمة و الرضوان-. والعنوان الذي وُضع لفتوى الشيخ حاتم جعلها تصب في سياق الخيار الثاني، وهو ما أجلُّ الشيخ حاتمًا عنه. وإن كنتُ لمست في كلامه نبرة التبرِّي والتنصُّل من دعوة الشيخ، حيث تكرَّرت في فتواه عبارة: (أتباع الشيخ محمد!) ، وهو يطالب أولئك الأتباع بانتقاد أخطاء الشيخ.
هذه الكلمة يمكن فهم المقصود منها حين يكون البحث مع صوفي مخرِّف أو رافضي ممخرق، أو مع شخصٍ يعيش خارج النطاق الجغرافي لتلك الدعوة. أما حين يكون الكلام مع مثل الشيخ حاتم بمشربه السَّلفي، فمن العسير فهم مراده بكلمة (أتباع الشيخ محمد) .
فمن هم هؤلاء الأتباع؟ .. وما مذهبهم؟ .. وما الأصل الجامع لهم؟
الموفَّقون من محبي الطريقة السلفية، كانوا ولا زالوا لا يعرفون لدعوة الشيخ محمد نسبًا إلا نسبَ الطريقةِ السَّلفية. فكانت تلك الدعوة في نظرهم ثمرةً من ثمار طريقة السلف ومنهجهم. فأصلها معروفٌ، ونهجها واضحٌ. و مذ شاعت تلك الدعوة في جزيرة العرب، وعرف أهلها حقيقتها، لم يوجد في تلك الجزيرة صاحبُ سنةٍ يتحدث عن شيءٍ اسمه: (أتباع محمد بن عبدالوهاب) ، كما تكرَّر ذلك على لسان الشيخ حاتم -غفر الله له-، وكما فعلَ مشرفو موقع الإسلام اليوم حين أثبتوا شيئًا اسمه (الوهابية) .
مشرفو الموقع تفضلوا -مشكورين- بتصحيحِ خطئهم، وغيروا لاحقًا عنوان الفتيا، فأزالوا منه لفظة (الوهابية) . و لو كنتُ أتحدثُ عن موقعٍ ينتمي لبقعةٍ أخرى من بقاعِ العالم الإسلامي، لقلتُ خطأٌ يسيرٌ، مشى فيه كاتبه على اصطلاحٍ شائعٍ لا يعرفُ دلالته. لكن حين يكونُ الحديث عن موقعٍ نشأ القائمون عليه في قلب تلك الدعوة الإصلاحية، فنحن أمام خللٍ يستدعي وقفةَ مراجعةٍ و تأملٍ. وبخاصةٍ أن العنوان بقي مثبتًا قرابة الأسبوعين وسط تعجب القراء واستنكارهم.
لندع هذا، ولنرجع لجوابِ الشيخ حاتم، وسنجد فتواه تضمَّنت قسمين:
القسم الأول: تضمن مقدمة في بيان (غلبة الخير) في دعوة الشيخ.
(يُتْبَعُ)