ولكن يقال هنا بأن الديمقراطية والعقلانية"المطلقة"كلاهما مصطلحان وافدان والخلاف بشأنهما بين الإسلاميين والعلمانيين لا يقل عن الخلاف بشأن العلمانية. ولذلك لم يحاول حسين أمين أن يرفض المصطلح بل إن المصطلح ومضمونه لا يناقضان الإسلام، لأن العلمانية تولي الحياة الدنيا اهتمامًا أكثر مما تفعل المسيحية ولذلك وقعت في صدام معها، أما الإسلام فإنه يهتم بالحياة الدنيا ويعطي لكل من الدارين نصيبها ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ? و? وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيا? قلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ? .
ولكن نسي أنه ينقض رؤيته هذه عندما يعرف العلمانية بأنها:""محاولة للاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة وعن المسلمات الغيبية""، ذلك لأن الإسلام يرفض أن يستقل العقل عن الوحي في أهم الأسئلة التي تواجه الإنسان، إنها الأسئلة المصيرية الكبرى التي تتعلق بالغيب.
وعلى كل حال يسعى أغلب العلمانيين العرب لكي يؤسلموا العلمانية، ويجعلوها متحالفة مع الدين، أو أن الدين علماني في جوهره""الكلام على العلمانية لا يعني ألبتة نفي الدين بما هو إرث وتاريخ وتجربة أي بما هو حقيقة واقعة لا مجال لإنكارها وتجاوزها""""ولكن لا يخلو هذا التنظير في كثير من الأحيان عن التناقض فعلى سبيل المثال: يقول د. فتحي القاسمي""إن العلمانية تصور وضعي لمختلف أنشطة الإنسان بعيدًا عن التأويلات المفارقة""ثم يقول مباشرة""وليس في ذلك بالضرورة تحامل على الدين""، ثم يقول في نفس الصفحة""لقد جعلت العلمانية الدين في وضع جديد، يسوده الحرج، ولم تلغه، وإنما قيدت مجال نشاطه"".
إن كلام القاسمي هذا يعبر عن سذاجة أو استيذاج للآخرين، لأن آخر الكلام ينقض أوله فعندما تكون العلمانية تصور وضعي، والدين قرار إلهي، والعلمانية تصور مادي، والدين فيه مساحة واسعة للغيب، أو ما يسميه"التأويلات المفارقة"فكيف لا تكون العلمانية في هذه الحالة متحاملة على الدين؟
وكذلك عندما يطرح الدين رؤيته الشاملة للوجود، ومنهجه الكامل للحياة، فتحد العلمانية من هذه الرؤية وترفض هذا المنهج، وتضع الدين في وضع حرج، وتقيد فاعليته، كيف لا تكون متحاملة على الدين في هذه الحالة؟ وكيف لا تكون - العلمانية - كذلك وهي بنظر القاسمي نفسه تَعتَبر المقولات الثابتة للدين متطرفة مهترئة لا يصدقها العقل .
وبالرغم من هذا التناقض الواضح يظل هؤلاء يصرون على أن الإسلام دين علماني كما طرح حسن حنفي والجابري ونصر حامد أبو زيد وحسين أحمد أمين وعبد المجيد الشرفي وفتحي القاسمي ومحمد أركون وطيب تيزيني وطارق حجي ولكن كيف يكون الإسلام دينًا علمانيًا عند هؤلاء؟
أ - لأنه اهتم بالحياة الدنيا كما سبق ورأينا عند حسين أحمد أمين ، ولأنه لم يعرف في تاريخه كنيسة أو نظامًا كهنوتيًا، ولم يحكر المعرفة والنظر على أحد . ولأن النبي ? كان ملِكًا وعاش ملكًا، ومات ملكًا، وحبب إليه من الدنيا ثلاث النساء والطيب والصلاة وانخرط في الواقع الدنيوي المعيش. وقال للناس:"أنتم أعلم بشؤون دنياكم".
ب - ولأنه قاصر على الأخلاق والقيم، وليس فيه نظام سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي عند طارق حجي ، أو بتعبير طيب تيزيني ومحمد سعيد العشماوي لأنه دين الهداية والرحمة، وليس دين العلم والتشريع ، أو بتعبير آخر للتيزيني لأن القرآن""يقول كل شيء ولا يقول شيئًا""لأنه كتاب مودة وأخلاق . أو لأن القرآن على حد تعبير محمد أركون""مجازات عالية""ومن الوهم اعتقاد الناس بتحويل هذه التعابير المجازية إلى قانون فعال، أو شريعة واقعية .
(يُتْبَعُ)