فهرس الكتاب

الصفحة 9878 من 28557

دعني أولا أسألك، هل الاستشكال عندك على قول القائلين بكونهما قد قرنا جميعا في ليلة واحدة أم على قول القائلين بكونهما جميعا كانا في اليقظة لا المنام؟؟ أرجو التوضيح لأن القضيتين غير متلازمتين كما هو واضح.

فان كنت تميل الى أن المعراج كان في المنام فأي الروايات هي التي يظهر منها عندك أنه كان كذلك؟ ليس في الروايات ما يوحي بأنه كان منانا! والأمر نفسه يتوجه الى الاسراء! فالذي يظهر من النصوص أن كليهما كانا في اليقظة. وللجمهور في ذلك حجة عقلية أيضا في أنه لو قيل بأن أحدهما أو كليهما كانا في المنام، فأين الاعجاز أصلا وأين التفضيل والمنزلة في ذلك؟ الكرامة التي في الرحلتين كانت بخرقهما للعادة، أما الرؤيا المنامية فليس فيها خرق للعادة فيما يراه النائمون، فتأمل.

أما قولك بأن المعراج كان ذكره في صدر سورة الاسراء من باب أولى، فمردود من وجهين:

أولا: القول بالأولوية في الرحلتين يلزم له دليل مستقل، يتقرر على أساسه أن احداهما كانت ذات فضل على الأخرى، يجعلها أولى بأن تأتي في هذا المكان من القرءان من الأخرى .. وليس ثم هذا الدليل.

أما ثانيا: فان الآية ليست في معرض الامتنان بأعظم الآيات التي من الله بها على محمد صلى الله عليه وسلم، والا لكان القرءان نفسه أولى وأولى، وانما الآيات كما يتضح من نظمها فيما يلي تلك الآية الكريمة من صدر السورة، تنتظم في الكلام عن بني اسرائيل ولومهم وإنبائهم بما هو كائن من أمرهم .. فناسب أن يكون المذكور في صدر السورة هو تلك الآية المعجزة بالذات والتي جعل الله فيها النبي محمدا اماما لسائر المرسلين في ذلك المسجد الذي لا يزال أهل الكتاب يوقرونه وموقعه (ما حوله) ولا يزال بنو اسرائيل يتخذونه قبلة لهم. ذلك أنه لو ذكر لهم رحلة المعراج لما ألزمهم ذلك ولربما ردوا وقالوا - مثلا - عندنا سفر الرؤيا وفيه مثل هذا!! ولم ير الناس النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعرج به في السماء، ولا رأوا ما رآه هناك، فلو لم يصدقوا برسالته ونبوته فلن يصدقوا هذه الكرامة الكبرى له عليه السلام! أما الاسراء فقد دلت النصوص على أنه عليه السلام لما سأله المشركون عن تفاصيل بيت المقدس وصفه لهم بتفصيل، فأقر الذين رأوه بأعينهم بأنه هو كما وصفه صلى الله عليه وسلم، فظهر للناس من ذلك اعجاز تلك الرحلة لتكون في ذاتها حجة عليهم وعلى بني اسرائيل كذلك، والذين يتوجه اليهم الخطاب بعد تلك الآية مباشرة .. وليعلموا أنه ما دام قد سافر في ليلة واحدة الى هناك ورأى هذا الذي رآه ووصفه كما وصفه، فقد كان ذلك خرقا للعادة ولابد، وقد صدق في أنه صلى بسائر الأنبياء اماما ولابد .. فان كان ذلك كذلك وسمعه من سمعه منهم، آمن وصدق بالقرءان وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم .. أما لو جعل سبحانه المعراج هو المذكور في هذا الموضع، لما تحقق شيء من ذلك، ولقالوا لعله كان يحلم، أو لعله كذا أو كذا، ولما قامت عليهم به حجة!

يعني باختصار، أن المعراج لن يصدقه الا من آمن به عليه السلام بالفعل، لأنه مهما وصف ما رآه فلا أحد غيره من الناس رآه أبدا! أما الاسراء ففي وصف النبي لما رآه فيه ما يدعوهم الى تصديقه والاقرار بأنها معجزة وكرامة وأنه صدق في كل ما ادعاه فيها وفي المعراج كذلك .. فمن هنا يتبين الحكمة من التقديم بذكر الاسراء في هذا الموضع، والله أعلم وأحكم ..

فمن الذي قال أن كون الآيات التي رآها النبي في المراج أكبر وأعظم، يلزم منه أن يكون هو المقدم ذكره في هذا المقام؟؟

وقولك عن المعراج أنه"لم يذكر البتة بما يدل على أنه حادث منفصل."هذا استدلال فاسد، لأنه لا يلزم من كون المعراج لم يذكر في هذه الآية أن يكون رحلة منفصلة!

وقولك"تذكر الروايات ان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر لقومه رحلة اسرائه ولم تذكر أنه حكى لهم رحلة معراجه، بما يدل أنهما حادثتان متفرقتان، وحينما كذبه قومه واستبعدوا حدوث الاسراء طلبوا منه وصف المسجد الأقصى فقط دلالة على انتهاء رحلته اليه."

قلت هذه أرد عليها بالوجه الثاني من ردي الآنف .. فالروايات التي تذكرها المقام فيها كان مقام اثبات لصدق النبوة، وليس مقام رواية لكل ما شاهده عليه السلام، ومنها ما جاء فيه أنه عليه السلام كان قد نسي بعض تفاصيل صورة المسجد فبعث الله جبريل ليريه صورته أمام عينيه ليصفها لهم كما رآها عليه السلام! فالمقام مقام محاجة، واجابة على سؤال .. أما الروايات الأخرى التي فيها وصف ما رآه النبي في المعراج فكانت في مقام آخر، ولا يلزم من انفصال مقامي الرواياتين انفصال الأحداث المذكورة فيهما عن بعضها البعض!

ـ [عبدالله الميمان] ــــــــ [04 - Aug-2008, صباحًا 06:02] ـ

السؤال الذي ينبغي طرحه قبل الخوض في هذه المسألة وغيرها من مسائل العلم:

هل للبحث والتقصي في هذه المسألة ثمرة تجتنى؟ أو لا؟

فإن كان له ثمرة فبينوها لنا ثم نستعين الله في البحث.

أما إن كان هذا من الترف العلمي فسواء رجح هذا أو هذا فالأمر سيان ما دام أن المسألة (أعني أي مسألة لا خصوص هذه المسألة) ليس فيها نص واضح وجزاكم الله خيرا

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت