فهرس الكتاب

الصفحة 9890 من 28557

ثم استسهالهم إجمال الكلام عن (أخطاااء) لدى الشيخ محمد بن عبدالوهاب يتعين رفع الصوت بإنكارها.

ومهما قلنا وتحدثنا عن فضل الشيخ حاتم ومقامه، فالشيخ محمد -رحمه الله- بلغ مرتبة الإمامة في الدين، وهو رمزٌ من رموز أهل السنة، فكنت أتمنى لو يملك الإخوة حساسيةً تجاه الحديث المجمل الموهم عنه، كتلك التي ظهرت منهم تجاه الشيخ الفاضل الشريف د. حاتم العوني -رعاه الله-.

وقبل الدخول في التفاصيل أودَّ التذكير بأن أصل مأخذي على الشيخ حاتم كان موجهًا لما رأيته تجنيًا على الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله-.

أقولُ هذا لأني رأيت أخي الشيخ وائلًا -سلمه الله- يجهد في الانصراف عن هذه المسألة، إلى تعويم الكلام وتحويله إلى وجود أو عدم وجود غلوٍّ فيمن انتسب لدعوة الشيخ -رحمه الله-. ومع أني لن أخلي كلامي عن تفسير وبيان لهذه النقطة، لكني أذكِّر أنها ليست هي المأخذ الذي نلوم الشيخ حاتمًا عليه.

فأقول -مستعينًا بالله- مقيمًا بينتي وحجتي:

الشيخ حاتم -رعاه الله- بنى كتابه (الولاء والبراء) على تقرير أن النصرة العملية للكفار كلها ذنبٌ وليست معصيةً. ولم يكن هذا مقصودي حين ذكرتُ أني رأيت في كلامه لوثة إرجاء. بل مقصودي هفوةٌ وقعت له وهو يتطلب الأدلة لإسناد رأيه وإقامة مذهبه.

وفيما يلي بيانُ ذلك وتفصيله.

قال (ص83) :"يدل على ذلك -أيضًا- حديث سهل بن بيضاء، وهو أنه كان مسلمًا بمكةَ يخفي إسلامه. ثم إنه خرج مع المشركين ببدرٍ و وقع في الأسر. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا ينفلتن منهم أحدٌ إلا بفداءٍ أو ضربة عنقٍ) فقال ابن مسعودٍ: (إلا سهل بن بيضاء) ، فإني سمعته يذكر الإسلام. فقال -صلى الله عليه وسلم- بعد سكتةٍ-: (إلا سهل بن بيضاء) ".

الشيخ حاتم -سلمه الله من كلِّ سوء- تصوَّر هذا الحديث على غير وجهه، واستدل به في غير موضعه، فوقع فيما ادعيته عليه من إثبات حكم الإيمان لمن يصطفُّ في جيش الكفار محاربًا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم-. (و هو ما رأيت أخي الشيخ وائلًا يتابعه عليه الآن) .

و قبل بيان موضع الخطأ في فهم هذا الحديث، أبدأ أولًا بشرح تصوُّر الشيخ حاتم -رعاه الله- لمعناه.

الشيخ حاتم يصور معنى هذا الحديث كالآتي:

سهل بن بيضاء -رضي الله عنه- مسلمٌ مقيمٌ بمكة.

خرج مع المشركين يوم بدر.

اصطف مع جيشهم لحرب النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فلما وقع في الأسر، لم يكفِّره النبي -صلى الله عليه وسلم-. بل خلى سبيله لما شهد ابنُ مسعودٍ له بالإسلام.

والفقهاء بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- استدلوا بهذا الحديث، ولم يحكموا بالكفر على سهل بن بيضاء -رضي الله عنه-.

هكذا بنى الشيخ حاتم -سدد الله قلمه- دليله وحجته.

فما معنى هذا التقرير؟

وهل يظلم أو يفتري من يقول إن الشيخ حاتمًا حكم بالإيمان لمن يصطفُّ في جيش الكفار محاربًا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم-.

وقبل أن أسوق نصَّ عبارة أخي الشيخ حاتم وهو يتحدث عن فقه هذا الحديث، أودُّ أن أبين الإشكال الذي وقع للشيخ، فأوجب له تصوير الحديث على غير وجهه:

الشيخ حاتم -عافاه الله- ذكر في مطلع كلامه أن سهل بن بيضاء (كان مسلمًا بمكةَ يخفي إسلامه) . ولو أنه وُفق للإصابة -كعادته- وتوقف عند هذه المعلومة لكانت مفتاحًا لفهم الحديث فهمًا صحيحًا، و لما أبعد النجعة في الاستدلال به في غير مورده.

يقول الحافظ ابن سعد -رحمه الله- طبقاته (4/ 213) عن سهل بن بيضاء:"أسلم بمكة، وكتم إسلامه، فأخرجته قريشٌ معها في نفير بدر، فشهد بدرًا، مع المشركين، فأسر يومئذ، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة، فخُلي عنه". وذكر نحو ذلك الحافظ ابن عبدالبر في الاستيعاب.

إذن قريشٌ أخرجت سهلًا معها، و لم يخرج هو باختياره؛ إذ كان فيهم مستضعَفًا يكتم إسلامه.

فهل يكون مورد الحديث فيمن يقاتل مع الكفار مختارًا، كما فهم الشيخ حاتم؟

أو أن مورده: من يخرج مكرهًا، ثم يقع في الأسر، فيقيم البينة على حقيقة حاله؟!

من الواضح أن صورة الإكراه هي مورد الحديث.

وبقطع النظر عن موافقة الشيخ حاتم على ذلك أو عدم موافقته. فما يعنينا الآن هو:

ما الذي يفهمه أخي الشيخ وائل من استدلال الشريف حاتم بهذا الخبر؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت