فهرس الكتاب

الصفحة 9973 من 28557

الوجه الثاني: لا إنكار فيما يسوغ فيه خلاف من الفروع على من اجتهد فيه أو قلد مجتهدًا فيه بل أنهم صرحوا بأنه لا يجوز (الإنكار) كذا قال القاضي ومثلوه بشرب النبيذ والتزوج بغير ولي. وذكر في المغني أنه لا يملك منع امرأته الذميمة من يسير الخمر على نص أحمد لاعتقادها إباحته وفي رواية المروذي (الصريحة) لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه.

ملاحظات على المسألة تفيدنا للترجيح:

1)من الملاحظ على طرفي المسألة أنه من الممكن أن نجمع بينهما.

حيث أن القول الذي يطالب بمحاولة المحتسب حمل الناس على رأيه يكون ذلك لعوام المذهب نفسه أو (اللامذهبيون) .

2)ترجيح محرري المذهبين المذكورين (الشافعية والحنابلة) كالغزالي والنووي -عند الشافعية- وابن قدامة وشيخ الإسلام وابن القيم -عند الحنابلة-.

3)مدى منطقية القول بعدم الحمل وحجيته وتناسبه مع غايات وأهداف النظام.

4)عدم تصادم القول المعارض للحمل والإنكار مع التسامح الديني ودعوى التعددية.

5)حصول صورة كثيرة من الخلاف بين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم- ولم يحصل هناك محاولة للإقصائية من أحد الأطراف في المسائل ذات الطابع الاجتهادي.

الترجيح:

من خلال ما سبق:

القول بأن ما ذهب إليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد لا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكرًا هو الراجح.

ونختم هذا المبحث بكلام نفيس خارج من مشكاة ورثة الأنبياء الربانيين لشيخ الإسلام ابن تيميه حيث قال -رحمه الله- {ثم العلماء ينكرون ما أجمع عليه، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه لأن على أحد المذهبيين: كل مجتهد مصيب، وهذا هو المختار عند كثير من المحققين، أو أكثرهم. وعلى المذهب الآخر: المصيب واحد وله المخطئ غيرنا والإثم مرفوع عنه. لكن أن ندبه على وجه النصيحة - إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوبًا مندوب إلى فعله برفق فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بنية، أو وقوع في خلاف آخر} .

(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ص 139

ملحق:

قد يورد إشكال وهو عند الترافع إلى حاكم وقد يكون للحاكم قول يخالف رأي أحد الخصوم .. فما العمل؟

لقد نص العلماء كالسيوطي (الأشباه والنظائر) وغيره على أنه ليس للحاكم أن يحكم إلا بما يراه ويعتقده. وهذا هو رأي الجمهور.

المبحث الثاني

هل من شروط المنكر أن يكون ظاهرًا من غير تجسس؟

أن مبدأ الستر وعدم التشهير مبدأ عززته الشريعة الإسلامية، بل جاءت بالأمر لفعله ومحرمة لكل ما يخالفه من تنصت وفضيحة بكل صورها وأي وسيلة توصل لذلك من التجسس، وغيره.

فمن الكتاب قال تعالى: { ... وَلَا تَجَسَّسُوا .. } قال قتادة: هل تدرون ما التجسس أو التجسيس؟ هو أن تتبع أو تبتغي عيب أخيك التطلع على سره، ومن السنة قوله (صلى الله عليه وسلم) (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا .... ) حامية بذلك حق الفرد من عدم المحاولة لكشف سره وأساءت الظن به حتى في التحاكم القضائي فنادت بأن (الأصل براءة الذمة) (وأن أحكام الدنيا مبنية على الظواهر) ولم تكن هذه الأنظمة والأصول (حبرًا على ورق) بل كانت واقعًا مجسدًا تعامل به المجتمع المسلم في أرقى عصوره (عصر الصحابة) ، فعن زيد بن الصلت قال: سمعت أبا بكر الصديق يقول لو أخذت شاربًا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت سارقًا لأحببت أن يستره الله. فهذا كلام يصدر من أعلى ممثل للسلطة القضائية في ذلك الوقت. وعن عكرمة عن ابن عباس وعمار والزبير أخذوا سارقًا فخلوا سبيله، فقلت لابن عباس: بئسما صنعتم حيث خليتم سبيله فقال: لا أم لك ما لو كنت أنت لسرك أن يخلى سبيلك.

إن هذه الأمثلة تعطي ما نروم التوصل إليه قدسية وتعظيم فهذه المعادلة المكونة من رجل الحسبة والمنكر وفاعل له، وكانت النتيجة الستر بل لقد حصل تصرف صريح مشابه لمسألتنا هذه من الصحابي الجليل المشهود له بالعلم والإيمان عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- كما ذكر الجصاص في تفسيره لقوله تعالى { ... وَلَا تَجَسَّسُوا .. } أن ابن مسعود قيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال: أنا قد نهينا عن التجسس، ولكن أن يظهر لنا شيء نأخذ به. مؤكدًا على القاعدة المذكورة آنفًا أن أحكام الدنيا مبنية على الظواهر.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت