فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قرأت هذه الفتوى، ولم أتوقف طويلًا عند أهدافها الخفية والمعلنة، في سياق ما يتردد عن توريث الحكم في مصر، والإعداد لذلك بوسائل عدة، واضحة وغير واضحة، يتحدث عنها السياسيون المعارضون في مصر، صباح مساء، وإنما سرح خاطري إلى شيء آخر، وعادت بي الذاكرة إلى أول نيسان (أبريل) عام 1925، حين أصدر الشيخ علي عبدالرازق قاضي محكمة المنصورة كتابه «الإسلام وأصول الحكم» الذي يعلن فيه، منذ صفحته الأولى، تحديه كل سلطة بشرية، تنطوي على التسلط، مؤكدًا أن لا إله إلا الله لا يعبد إلا إياه، ولا يخشى أحدًا سواه، فلله وحده القوة والعزة، وما سواه من الملوك ويمكن أن نضيف والرؤساء والأمراء والشيوخ ضعيف ذليل ويمضي الشيخ علي عبدالرازق ليهدم فكرة الخلافة ومعها الاستخلاف ويقرنها بفكرة «الحكم المقدس» في الغرب، مؤكدًا أن من جعلوا الخلافة ركنًا من أركان الإسلام إنما بنوا ما ذهبوا إليه على اجتهاد خاطئ في فهم الإسلام، فالخلافة ليست ركنًا ولا أصلًا من أصوله.
ويؤكد الشيخ الجسور، كما سبق أن أوضحت في مقالات سابقة في هذه الجريدة، أن الفهم الخاطئ لمفهوم الخلافة ومن ثم الاستخلاف، ومعه توريث الحكم قد اقترن، ولا يزال، بالمحاولات الاستبدادية المتصلة لدعم الحكم المطلق وتبريره وتثبيته في وجدان الرعية وعقولها، دعمًا للخلفاء والحكام الظلمة، وذلك بدعوى أن الخليفة يستمد سلطانه من سلطان الله تعالى، وأنه ظل الله تعالى، أو سلطان الله على أرضه على نحو ما زعم الخليفة أبو جعفر المنصور ولا خلاف كيفيًا، في التحليل الأخير، بين هذه الدعوى التي ينسبها أصحابها إلى الإسلام ودعوى «الحق المقدس» التي نسبها أصحابها إلى المسيحية وما لم يقله الشيخ صراحة، لكن ينطقه كتابه ضمنًا، هو أنه إذا كان دعاة «الحكم المدني» في أوروبا قد انتصروا على دعاة الدولة الدينية الثيوقراطية واستبدلوا بملكية الحق المقدس الملكية المقيدة بكل أطيافها والجمهورية بكل أنواعها، فإن دعاة الحكم المدني في الشرق المتخلف، المتطلعين إلى التقدم، لا بد من أن ينتصروا نهائيًا على الثيوقراطيين الجدد، وعلى أشباههم من الذين يسعون إلى أن يستبدلوا بالمجتمع المدني بمعناه الحديث مجتمعًا تسلطيًا، بطريركيًا، يستبقي آليات الدولة الدينية أو العسكرية، لكن مع تغطيتها بأزياء حديثة، تخادع الناس عن جوهرها التسلطي، أو تلهيهم عن الخدع والحيل الكثيرة للإبقاء على مبدأ التوريث الذي قامت عليه «الخلافة» في أسوأ صورها.
ولا أريد أن أكرر ما سبق أن كتبته عن كتاب الشيخ على عبدالرازق الذي أراد أن يثبت، في النهاية، أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، فهي ليست في شيء من الخطط الدينية، وإنما من الخطط السياسية الصرفة، فالإسلام لم يحدد نظامًا للحكم، وإنما ترك أمره لنا، لنرجع فيه إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم وقواعد السياسة وكانت غاية الشيخ علي عبدالرازق من الدعوى القنبلة التي فجرها بكتابه مهاجمة الحكم الاستبدادي للملك فؤاد (1868 - 1936) الذي أغواه بعض مشايخ السوء بالدعوة لنفسه خليفة للمسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانية، فهمّ بذلك بعد أن استهواه لقب «خليفة المسلمين» ليكسو استبداده مهابة الدين، ويؤكد القاعدة التي تقول إن الدين بالملك يقوى والملك بالدين يبقى ولكن جاء كتاب الشيخ الجسور على عبدالرازق لينسف أماني الملك وغوايات مستشاري السوء الذين أحاطوا به.
ولم يكن من الممكن والأمر كذلك، أن يمضي كتاب الشيخ الجسور من دون عتاب، فبدأت مجلة «المنار» لصاحبها الشيخ محمد رشيد رضا بالهجوم العاصف على الكتاب وصاحبه، مستخدمة مفردات التكفير التي ما زالت تتكرر في وجه دعاوى التجديد وكان من الطبيعي أن تدفع المجلة الأزهر إلى الحركة، فيجتمع كبار شيوخه، ويقررون تكفير الكتاب وصاحبه، ومن ثم سحب شهادة العالمية منه وإسقاطها عنه ويترتب على ذلك فصله من وظيفة القضاء في مدينة المنصورة ويحاول ممثلو حزب «الأحرار الدستوريين» الذي ينتسب إليه الشيخ الدفاع عنه، فيكون الفشل مصيرهم، فينتهي بهم الأمر بالاستقالة من الوزارة التي تحالفوا فيها حلفًا غير مقدس مع زيور باشا رجل الملك فؤاد الذي ألف حزبًا لنصرة سيده الملك، والدفاع عنه في مواجهة الرفض الشعبي الذي لم
(يُتْبَعُ)