فهرس الكتاب

الصفحة 10058 من 28557

يكن يرضى سوى بحكم الوفد وزعيمه سعد زغلول.

ويخرج الشيخ على عبدالرازق من الوظيفة، وتنحل الوزارة التي دافع عنه اثنان من أعضائها، وتظل الاتهامات التكفيرية تطارد الرجل الذي اجتهد اجتهادًا فأعلنه للناس، هادفًا إلى صلاح أمرهم، وتحويلهم من رعية ورعايا إلى مواطنين متساوين، لهم الحقوق الكاملة التي يكفلها كل دستور عادل، يحقق أمن المواطنين بلا تفرقة على أساس من جنس أو دين أو عقيدة، ويؤسس للعدل بينهم، فضلًا عن حرية الرأي والتعبير التي هي اللازمة الطبيعية للحرية السياسية والاجتماعية وظل الكتاب وصاحبه محصورين في مدار مغلق من النبذ الذي لا يفارقه سيف مشرع من التكفير، قابل لأن يقطع الرقاب في أي وقت.

ولكن العدالة سرعان ما تداركت هذا السيف، فطاحت وزارة حزب الاتحاد، وأعقبتها وزارة ائتلاف وطني، تولى فيها رئاسة الحكومة عدلي يكن رئيس حزب الأحرار الدستوريين، وسعد زغلول رئاسة البرلمان وأخذت الضجة حول كتاب الشيخ الجسور تهدأ مع الوقت، لكن ظلت تهمة التكفير ملازمة له ومن حسن الحظ، كما يقول الراوي في «أولاد حارتنا» ، أن آفة حارتنا النسيان، فنسى الناس تهمة الكفر مع تقادم العهد بالكتاب وسقوط الملكية نفسها وأخذنا ندخل في زمن جديد، يتمسح فيه الجميع بالدستور، وتعلو شعارات «الدولة المدنية» ، في مواجهة مخاطر الدعوة إلى «الدولة الدينية» التي تتسع مع اتساع حركات الإسلام السياسي وانتشارها التدميري الذي حمل معه كوارث كثيرة.

هكذا، أصبح الحكام وأنظمة الحكم ترفع شعار «الدولة المدنية» وتحتكم إلى الدستور المدني الذي يستلهم روحه القانون المدني، بدوره، ومعه كل الأنظمة والمؤسسات التي تؤكد، في تبعيتها للدولة أو المجتمع، أن نظام الحكم رهن بإرادة الجماهير التي تضعه على أعينها، وترتضيه ما ظلت تؤمن أنه يحقق مصالحها على أساس من الحرية والعدل والمساواة وحتى عندما تنطوي أقنعة الدولة المدنية على جوهر تسلطي، أو تخفي الدولة الاستبدادية براثنها في قفازات الديموقراطية والدستور، فإن مبدأ أن المسلمين بخاصة، والمواطنين بعامة، أحرار في اختيار نظام الحكم الصالح، يظل قائمًا، معلنًا، حتى لو كان شعارًا بلا مضمون، أو شكلًا بلا جوهر أما فكرة الخلافة فقد تحولت إلى اجتهاد تاريخي، فرضته ظروف تاريخية، تختلف عن ظروفنا كل الاختلاف أعني تلك الظروف التي لم تعد تتقبل فكرة الخلافة والنتيجة هي فتوى دار الإفتاء برئاسة الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية الذي يعلن، صراحة، أن الشرع لا يمنع ولا يفرض نظامًا معينًا لصورة الحكم، سواء أكانت هذه ملكية أم جمهورية أم أي نظام آخر يتفق عليه الناس، ويحقق مصالحهم العليا وهي فتوى تعني، صراحة، أن الإسلام لم يفرض نظامًا سياسيًا بعينه على المسلمين وتعني، ضمنًا، أن فكرة الخلافة كانت اجتهادًا لا يمنع غيره من الاجتهادات، وأنها ليست ركنًا من أركان الدين.

أعترف أنني عندما قرأت فتوى الدكتور علي جمعة قلت في نفسي ها هو الشيخ الجسور علي عبدالرازق يحقق انتصاره في النهاية، وأن ما قاله وما طبعه في كتابه الصادر عام 1925 يتحقق في عام 2008، أي بعد خمس وسبعين سنة بالتمام والكمال، ولذلك فمن حقنا أن نعيد الاعتبار إلى كتاب الشيخ الجسور، الذي يظل طليعيًا، خصوصًا في مواجهة بعض جماعات الإسلام السياسي التي لا تزال تحلم بإقامة خلافة إسلامية، تتحد فيها جماعات المسلمين التي يقودها أئمة يملأون الأرض عدلًا بعد أن ملئت جورًا وحتى لو قال قائل إن التوريث يمكن أن يتم بطرائق ملتوية، مع وجود المادة 76 المعدلة في الدستور المصري، مثلًا، فإن الإجابة لن تخرج عن ما يمكن أن نقرأه، ضمنًا، في كتاب «الإسلام وأصول الحكم» حيث الأصل هو العدل والحرية والمساواة، فوجود هذه الأعمدة الثلاثة هو شرع الله الذي منح مخلوقاته حرية الإرادة وأمرهم بالعدل والمساواة، ولم يمنعهم من تدبير شؤون حياتهم الدنيا التي هم أدرى بها بالكيفية التي يرون فيها صلاحهم، خصوصًا في هذه السنوات التي يتقلص فيها العدل والحرية والمساواة، وتشيع الحكومات الاستبدادية التي لا ينتج عنها سوى الكوارث التي أصبحت تحيط بنا، وتجعلنا أحوج ما نكون إلى شجاعة أمثال على عبدالرازق من علماء الدين والدنيا.

تعليق طارق منينة

ـ [حمدان الجزائري] ــــــــ [29 - Apr-2009, مساء 10:35] ـ

بارك الله فيكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت