وليس اغرب من هذه النزعة الخيالية، وهي نزعة تخريبية، يسميها طريق الإسلام.
والإسلام كما هو اسمه ومسماه يأبى الفتنة ولو في أبسط صورة، فكيف إذا كانت فتنة غاشمة، جبارة كالتي يتخيلها المؤلف.
وما معنى الحاكمية لله وحده؟
هل يسير الدين على قدمين بين الناس ليمنع الناس جميعا عن ولاية الحكم؛ أو يكون الممثل لله في الحكم هو شخصية هذا المؤلف الداعي والذي ينكر وجود الحكام من البشر ويضع المعالم في الطريق للخروج على كل حاكم في الدنيا.
أن القرآن نفسه يعترف بالحكام المسلمين ويفرض لهم حق الطاعة علينا، كما يفرض عليهم العدل فينا، ويوجه الرعية دائما إلى التعاون معهم والإسلام نفسه لا يعتبر الحكام رسلا معصومين من الخطأ كما يضللنا المؤلف، بل فرض فيهم أخطاء تبدر من بعضهم، وناشدهم أن يصححوا أخطاءهم بالرجوع إلى الله وسنة الرسول، وبالتشاور في الأمر مع أهل الرأي من المسلمين. ولم يبح أبدا أن تكون ثورة كهذه.
فغريب جدا أن يقوم واحد، أو نفر من الناس ويرسموا طريقا معوجة يسموها طريق الإسلام لا غير، ثم ينصبوا أنفسهم للهيمنة على هذا النظام الذي يزعمونه إسلاما.
لابد لاستقرار الحياة على أي وضع من أوضاعها من وجود حكام يتولون أمور الناس بالدين، وبالقوانين العادلة التي تقتضيها الحياة، كما يأذن القرآن، وسنة الرسول.
ومن المقررات الإسلامية -أن الله يزع بالسلطان ما لم يزع بالقرآن.
فكيف يستقيم في عقل إنسان أن تقوم طليعة مزعومة لتجريد الحكام جميعا من سلطانهم. ولتفتح الطريق أمام طغمة من الخبثاء، يوهمون الناس أنها طليعة الإيمان.
وبين الحكام كثيرون يسيرون على الجادة بقدر ما يتاح لهم من الوسائل، فليسوا طواغيت أبدا .. أن هذا شطط في الخيال يجمح بمؤلف الكتاب إلى الشذوذ عن الأوضاع الصحيحة، والتصورات المعقولة، ويقذف به وبدعوته واتباعه إلى أحضان الشيطان بعيدين عن حوزة الإسلام.
(8) صفحة 43:"فلا بد - أولا - أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة لا إله إلا الله، وأن الحاكمية ليست إلا لله .. وحين يقوم هذا المجتمع فعلا تكون له حياة واقعية، وعندئذ فقط يبدأ هذا الدين في تقرير النظر والشرائع ..."
(السبكي) :فهذا هجوم من المؤلف على الواقع إذ ينكر وجود"مجتمع إسلامي"وينكر وجود نظام إسلامي، ويدعو إلى الانتظار في التشريع الإسلامي حتى يوجد المجتمع المحتاج إليه ..
يريد المجتمع الذي سينشأ على يده - ويد الطليعة .. ويخيل إلينا أن المؤلف شطح شطحة جديدة، فزعم لنفسه الهيمنة العليا على"الإلهية"في تنظيم الحياة الدنيا، حيث يقترح أولا هدم النظم القائمة دون استثناء وطرد الحكام، وإيجاد مجتمع جديد، ثم التشريع من جديد لهذا المجتمع الجديد.
(9) صفحة 45: يكرر هذا الكلام.
(10) صفحة 46: يصرح به مرة ثالثة أو رابعة فيقول: أن دعاة الإسلام حين يدعون الناس لإنشاء هذا الدين - كذا - يجب أولا أن يدعوهم إلى اعتناق العقيدة حتى لو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين، وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون ويعلمهم أن كلمة لا إله إلا الله، مدلولها الحقيقي هو رد الحاكمية لله، وطرد المعتدين على سلطان الله.
(السبكي) وهكذا من تبجحه في وجه الواقع وسفاهته على مجموع المسلمين، وتلك نزعة المؤلف المتهوس، يناقض بها الإسلام، ويزعم أنه أغير الخلق على تعاليم الإسلام ..
أليست هذه هي الفتنة الجامحة، بل الفتنة الجائحة .. من إنسان يفرض نفسه على الدين، وعلى المجتمع.
(11) صفحة 50 - يعزز فكرته الفاتنة فيقول:"وهكذا ينبغي أن تكون كلما أريد إعادة البناء من جديد - يريد تجريد الثورة العامة كلما احتيج إلى إصلاح في المجتمع."
(12) صفحة 81 يقول:"أن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين: معناها الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها، وأنظمتها وأوضاعها، والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض، الحكم فيها للبشر في صورة من الصور .. الخ"
وبهذا الكلام يلفظ المؤلف ما في نفسه من الحقد المستعر أو من الجنون المستحكم.
(يُتْبَعُ)