فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فالقدرة كما يتبادر الى أذهان الناس انما هي قوة تكتسبها النفس أو تتصف بها، وترتبط بارادة صاحبها، فان كنت أتصف بكوني"قادرا"على الكتابة ففي أي وقت أردت الكتابة فاني أكتب لأني قادر على ذلك .. ولو استدرك السامع على هذا وقال"قادر باذن الله"فما زاد بذلك شيئا يميز هذه القدرة عن غيرها، فكل ما في الانسان من قدرة فانه يكون باذن الله!
بينما لو قلنا"مكنهم من ذلك (أو أقدرهم عليه) في حالات مخصوصة"لكان أصوب، فهذه ليست كغيرها من القدرات، تلازم صاحبها وترتبط بارادته .. فهم لو أرادوا أن يحيوا الموتى في غير تلك الحالات بعينها لما استطاعوا، لأن الأمر ليس سببه قدرة كامنة فيهم أو مكتسبة لديهم، ولكنها حالات مخصوصة قد جعل سبحانه بعض أفعالهم فيها سببا في احياء الموتى ليؤمن المؤمنون ويصدقوا أن هذا بأمر الله واذنه وليس بارادة ولا بقدرة الرسول .. وذلك ظاهر في هذه الآية نفسها التي تفضلت بذكرها، فالله أمر بني اسرائيل بعمل بعينه، أن يضربوا الميت بشيء من البقرة، فلما فعلوا أحيا الله الميت بين أيديهم ليقيم بذلك حجة عليهم كما في قوله (( كذلك يحيي الله الموتى ) ).. فهل لو أنهم ضربوا ميتا آخر بارادتهم واختيارهم بتلك البقرة نفسها وبنفس الأسباب، ولكن في سياق أخر، فان الله يجعل ذلك سببا لاحياء ذلك الميت أيضا، بحيث ان كلما أرادوا ذلك أخذوا بنفس ذلك السبب فيقوم لهم الموتى؟ كلا! فهذه ليست صفة أو خصيصة أعطاهم الله اياها فلا تنفك عنهم، كما هو حال غيرها من القدرات! انما هو امضاء لآية من آيات الله على أيديهم بفعل يفعلونه في تلك الحال تحديدا، ليكون عليهم حجة في ذلك السياق تعيينا، وفقط.
ولو تأملت وفقك الله في نصوص كتاب النصارى المحرف، لوجدت في كتاب يوحنا في قصة احياء المسيح لاليعازر باذن الله هذا النص:
"فَقَالَ يَسُوعُ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللهِ؟» . فَرَفَعُوا الْحَجَرَ، وَرَفَعَ يَسُوعُ عَيْنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ: «أَيُّهَا الآبُ، أَشْكُرُكَ لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِي،. وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ دَوْمًا تَسْمَعُ لِي. وَلكِنِّي قُلْتُ هَذَا لأَجْلِ الْجَمْعِ الْوَاقِفِ حَوْلِي لِيُؤْمِنُوا أَنَّكَ أَنْتَ أَرْسَلْتَنِي» . ثُمَّ نَادَى بَصَوْتٍ عَالٍ: «لِعَازَرُ اخْرُجْ!» (يوحنا 11: 40 - 43) "
ولعل هذا النص من أخف ما وقع فيه التحريف في كتبهم، والشاهد فيه على فرض صحته، أن المسيح عليه السلام حرص على أن يظهر للحضور ضراعته لله أمامهم حتى لا يتوهموا أن هذا بقدرته هو وارادته هو وأنه صفة لازمة له، أعني احياءه الموتى .. ومع ذلك فهذا هو ما اعتقده النصارى - على الرغم من وجود هذا النص في كتبهم - اذ زعموا أن المسيح أحيا الموتى بقدرته التي هي صفة ذاتية فيه لا تنفك عنه!!
والقدرة على أي حال لا يلزم من وجودها في حال واحدة أن تكون لازمة لصاحبها لا تنفك عنه في جميع الأحوال! فلو قلنا أن الله"أقدر المسيح"على احياء الموتى باذنه لصح ولما كان ثم حرج. ولكن يجب أن يفهم السامع أنه ما أعطاه ذلك الا في مواضع اقامة الحجة على الناس وفقط! ومن قوله تعالى: (( واذ تحيى الموتى باذني ) )يفهم أن الله ينسب فعل الاحياء الى عيسى عليه السلام، ولكن مع تقييد ذلك بقيد الاذن من الله .. فما الزيادة في قوله باذني، ومعلوم أن كل ما يكون عند الناس من قدرات وارادات انما يكون باذنه سبحانه؟؟ الزيادة أن ذلك يكون خرقا لطبيعة الرسول نفسه في تلك الحال بالذات، فلا يتسم بوجود تلك القدرة فيه في غير تلك الحال التي أذن الله فيها بذلك. فيصح أن تعتبر تلك قدرة عارضة أعطاها الله له في أحوال مخصوصة بالذات باذنه ليفعل ذلك الفعل ليقيم به الحجة على الناس ... ولكن عندما يتكلم المتكلم عن أن الله أعطى القدرة للمسيح على احياء الموتى، أو بعض الموتى، هكذا دون ذكر ذلك القيد الدقيق، فان السامع قد يتوهم أن هذه القدرة تكون لازمة لصاحبها كصفة ذاتية فيه بأصل الخلقة أو بالاكتساب، كما هو المتبادر الى أذهان الناس من كلمة"قدرة".. فيجب هذا التفصيل.
ولعله مما يجدر ذكره في هذه المقام أن من كتب النصارى القديمة التي استبعدها أثناسيوس ولم يدخلها في الكتب القانونية كتاب يحكي مؤلفه قصة طفولة المسيح عليه السلام! وفي الكتاب زعم أنه عليه السلام كان في صباه تظهر منه معجزات شتى، ذكر منها أنه كان يلهو مع الأطفال بأن يصنع لهم من الطين صور طيور وينفخ فيها فتصبح طيرا وتطير. والعجيب أن هذا هو الكتاب الوحيد الذي يذكر هذه المعجزة للمسيح، ومع ذلك لم يدخلوه في الكتب الأربعة! وهذه الآية مذكور في القرآن أنه عليه السلام فعلها باذن الله كما هو معلوم .. أعني خلقه من الطين كهيئة الطير ثم النفخ فيها فتكون طيرا باذن الله، ولكن تأمل في أي سياق ذكرها كاتب ذلك الكتاب؟؟ في سياق أنه كان طفلا يلهو ويلعب مع الأطفال فظهرت منه هذه القدرة المذهلة! وهذا التحريف مرده الى اعتقاد مصنف ذلك الكتاب في أن المسيح هو ابن الله، وأنه اله متجسد، فكل ما يقدر عليه الله يقدر عليه المسيح استقلالا، فهذه القدرات فيه هي صفات ذاتية لازمة له منذ أن كان طفلا، كان يلهو بها مع أقرانه في الطفولة ثم لما كبر وبدأ يدعو الناس، استعملها في الدعوة!!
فلو قلنا أن وقوع مثل هذه الآية على يد المسيح في طفولته ليس بممتنع، فهو في جميع الأحوال لا يكون الا باذن الله، لنسبنا الى المسيح وجود تلك القدرة فيه كصفة ذاتية، وهذا لا يخفى ما فيه من الفساد، وهو مخالف لحكمة امضاء الرب لتلك المعجزات على أيدي المرسلين! فما الحجة التي تقوم على يد طفل يلهو بين أقرانه من الأطفال لما يرونه يحول صور الطير المنحوتة من الطين الى طير يطير؟؟ لا حجة ولا آية ولا برهان، ولن ينتج عن مثل ذلك الا أن يتخذوه هو نفسه الها من دون الله يقدسونه من طفولته!
فقيد (( باذن الله ) )الذي قيد الله به سائر تلك المعجزات معناه احداث تلك الآيات على أيدي الأنبياء والرسل في أحوال مخصوصة بعينها بأسباب مخصوصة محددة يخبرهم الرب بها، فلا تكون منهم في غير ذلك! أما اطلاق القول"بالقدرة"فلابد فيه من التفصيل الدقيق ..
هذا والله أعلم وأحكم.
(يُتْبَعُ)