فهرس الكتاب

الصفحة 10859 من 28557

قال ابن تيمية في الصارم: معناه أني أمرت أن أقبل منهم ظاهر الإسلام، وأكل بواطنهم إلى الله؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يقيم الحدود بعلمه، ولا بخبر الواحد، ولا بمجرد الوحي، ولا بالدلائل والشواهد، حتى يثبت موجب للحد ببينة أو إقرار .. ا- هـ.

قلت: فما بال أقوامٍ يقيمون أحكامهم على الآخرين ـ بخاصة منها مسائل الكفر والردة ـ بالظن والشبهات، والمحتملات .. وأقوامٍ آخرين على نقيضهم وضدهم تأتيهم البينة الظاهرة بإقرار أو فعل صريح، فيأبون إلا أن يشقوا عن القلوب والبطون ـ وأنا لهم بذلك ـ ليعلموا هل صدر الكفر من جهة البطون والقلوب أم لا .. ؟!!

قال ?:"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذاك المسلم له ذمة الله وذمة رسوله"البخاري.

فحكم له النبي ? بالإسلام، وأن له ذمة الله وذمة رسوله .. لمجرد إتيانه بالشرائع الظاهرة للإسلام الدالة على إسلامه.

وفي الحديث المتفق عليه، عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ? في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ? فقال رسول الله ?:"أقال لا إله إلا الله وقتلته؟!"قال: قلت يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح، قال:"أشققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا"فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذٍ.

يعني هلا شققت عن قلبه ونيته ـ وليس لك سلطان إلى ذلك ـ حتى تعلم أنه قالها تقية من السلاح أم لا .. وهذا سؤال استنكاري على ما قد فعله أسامة ?، لذلك قال أسامة لشدة إنكار النبي ? عليه:"تمنيت أني أسلمت يومئذٍ!!"؛ أي أنه ود أن يكون قد فعل هذا الفعل وهو في الجاهلية قبل أن يصير مسلمًا .. !

قال النووي في الشرح 2/ 107: وقوله ?:"أفلا شققت عن قلبه"فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر ا- هـ.

وعن أبي سعيد الخدري ? قال: قام رجل ـ وهو جد الخوارج وأولهم ـ غائر العينين مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتقِ الله!! فقال:"ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!"قال ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال:"لا، لعله أن يكون يصلي"قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله ?:"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم"قال: ثم نظر إليه وهو مقفٍّ فقال:"إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود"مسلم.

فإن قيل: هنا قد أظهر ما يدل على إسلامه من وجه؛ ويتمثل ذلك في إقامة الصلاة، ومن وجه آخر أظهر ما يدل على كفره وهو خطابه للنبي ? بأن يتقي الله، وأن يعدل في القسمة كما جاء في الرواية الثانية ومع ذلك لم يكفره النبي ?، ولم يأمر بقتله ولا استتابته .. فكيف التوفيق؟!

أقول: إقامته للصلاة إسلام صريح .. ومقولته للنبي ? الآنفة الذكر كفر محتمل متشابه غير صريح ولا بواح، والقاعدة الشرعية تقول: الإسلام الصريح لا ينقضه إلا الكفر الصريح، ومن أسلم بيقين لا يخرج منه إلا بكفر يقين وجلي .. فالظن لا يُقاوم اليقين، والمتشابه لا يُقاوم المحكم، والمرجوح لا يُقاوم الراجح، والمفهوم لا يُقاوم المنطوق .. وهذه قاعدة هامة مطردة من قواعد التكفير بسطها له موضع آخر.

ومن قصة أسرى بدر قال النبي ? للعباس بن عبد المطلب ـ وكان من جملة الأسرى ـ:"يا عباس افد نفسك وابن أخيك عقيل ابن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم؛ فإنك ذو مال"فقال: يا رسول الله إني كنت مسلمًا، ولكن القوم استكرهوني، فقال:"الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقًا فالله يجزيك به، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك". وذلك أن العباس لم يكن من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يجدون سبيلًا للهجرة والخروج من سلطان المشركين؛ لذلك لما اعتذر بالإكراه فلم يقبل منه وعامله النبي ? على ظاهره الذي يدل على أنه مع المشركين على المسلمين .. !

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت