3 -قال الشيخ: بعض المؤلفين يكون لقاؤك به سببًا في ترك قراءة ما يكتب .. كنت أقرأ لمصطفى جواد وأودّ أن أراه، فلما قابلته وجدته شخصية كزّة مظلمة .. فكانت رؤيتي له سببًا في الإعراض عما يكتب.
قلت: لعله وقع بين الشيخ ومصطفى جواد ما يقع بين أهل العصر، وإلاّ فإن مصطفى جواد ليس كما وصفه الشيخ، ثم هو كان من أكبر الشخصيات العلمية العراقية في زمنه.
4 -قال لي الشيخ: كانت عندي في شبابي أوقات فراغ، ولم أندم على شيء ندمي على أني لم أستغلّها في تعلم اللغة الإنجليزية، فاحرص على تعلمها قبل أن تزحمك الأشغال.
5 -قال لي الشيخ: كان المستشرق الألماني (وستنفلد) وضع فهرسًا دقيقًا لنشرته من معجم البلدان، وكنت علقت عليه، واستدركت بعض الأسقاط، ثم إن نسختي من هذا المعجم ذهبت مع ما ذهب من مكتبتي في أحداث لبنان.
6 -دخلت على الشيخ صباحًا في مكتبه، فوجدت عنده امرأة بين يديها أوراق، فلما خرجت قال لي الشيخ: هذه صحفية في إحدى المجلات النسائية، أجرت معي مقابلة عن المرأة، وقد وافقت على إعطائها الحوار حتى تُوفّق في مجال عملها، ثم قال الشيخ: نريدهن أديبات نفس لا أديبات درس.
7 -قال الشيخ: وداد قاضي صنعت فهرسًا لأحد كتبي، أظنه قال:"كتاب المناسك".. قال الشيخ: هي جيدة لكن قل إنتاجها، هكذا إخواننا أهل الشام، إذا بلغوا شيئًا من المكانة العلمية والمادية فإنهم يفترون عن العلم.
8 -زرت الشيخ صباح أحد الأيام، فلما رآني طلب من الموظف عنده أن يحضر كتابًا، ثم قال وهو يناولنيه: هذا كتاب ألّفتْه عني مكتبة الملك فهد الوطنية، جزاهم الله خيرًا، هم ألّفوه ولم أطلب ذلك منهم، فقلت للشيخ: قد رأيت الكتاب، فابتسم وقال: أنا صرت كقاضي"جَبُّل"أروّج لنفسي، هل تعرف خبر قاضي"جَبُّل"؟ فقلت: لا، قال: ذكر ياقوت في معجم البلدان أن المأمون ركب سفينة على النهر ومعه القاضي يحيى بن أكثم، فلما حاذوا جبُّل إذا رجل يجري على الشاطئ ويشير بيديه ويصيح: يا أمير المؤمنين، نعم القاضي قاضينا، نعم القاضي قاضي جبُّل .. فضحك يحيى بن أكثم، فسأله المأمون: ما الذي يضحكك، فقال: هذا الرجل هو قاضي جبُّل يثني على نفسه! فضحك المأمون وأمر له بصلة وعزله!
9 -كتبتُ في إحدى المقالات التي نُشرت فيما بعد في مجلة العرب:"أفضل عليّ عالم الجزيرة الشيخ حمد الجاسر".. ، ثم عرضت المقالة على الشيخ تمهيدًا لنشرها، فقال لي الشيخ: جزيرة أنا عالمها جزيرة جاهلة، لا، احذف هذا الوصف، يكفي أن تكتب"الشيخ حمد".. هذا يكفي.
10 -قال لي الشيخ: كنت إذا حضرت جلسات مجمع اللغة أيام رئاسة طه حسين، وجرى ذكر جزيرة العرب يقول طه حسين: إذا قال الشيخ حمد الجاسر قولًا في موضع من مواضع الجزيرة العربية فالقول قوله، فهو أعلم بها منا .. قال الشيخ: وهذا الكلام مثبت في محاضر الجلسات قال: وكنت إذا دخلت على طه حسين يقول: مرحبًا بعالم الجزيرة أو جاء عالم الجزيرة.
11 -قال الشيخ: لما زرت طه حسين في منزله سألته: يا دكتور: ما كنتم ذكرتموه في كتابكم (في الشعر الجاهلي) هل ما زلتم تقولون به؟ قال الشيخ: فقال لي طه حسين: كان ذلك من عبث الشباب ..
12 -فقلت للشيخ حمد: إن محمود شاكر ذكر في حاشية أحد كتبه أنه حُدّث أن طه حسين قد رجع عما كان يقوله، وأن محمود شاكر علّق على ذلك بقوله: هكذا الكبار دائمًا يخطئون في العلن، ويتوبون في السر.
13 -قلت للشيخ: سمعت أنكم أخذتم إجازة من الشيخ عبد الستار الدهلوي، قال: نعم، لكني مزقتها.
14 -قال الشيخ: لما حضر الشيخ عبد الحي الكتاني إلى مكة كنت فيمن زاره، وكتب لي إجازة.
15 -سألت الشيخ عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي واتهامِه بالكذب، فقال: أهلُ كلِّ فنٍّ يحملون على أصحاب الفنون الأخرى، وأهل الحديث يتهمون ابن الكلبي بالكذب، ولا يروون الأنساب إلاّ عنه.
16 -كتبتُ مقالة وعرضتها على الشيخ فإذا فيها:"ليس في لغة العرب كلمة ..."وذكرت كلمة نسيتها، فقال الشيخ: وما أدراك أنها ليست في لغة العرب؟! هل أحطت بجميع اللغة؟! إذا نفيت فقيّد النفي بعلمك وقل: ليس في كذا فيما أعلم.
17 -سألت الشيخ عن حدود"نجد"فقال: يصعب تحديدها بدقة، لكن تُحدّد بالتقريب. كُتب المواضع المتقدمة ليست دقيقة وفيها صعوبة، فقلت له: ولِمَ اخترتم هذا الفن الصعب؟! فقال رحمه الله: السهل كلُّ أحدٍ يحسنه.
(يُتْبَعُ)